وقوله : وأملاكي بملكي خرّت ، يحتمل وجهين ، أحدهما : سجود الملائكة للصورة الآدمية العنصرية التي هي من عالم الملك بحكم أمر :
اسْجُدُوا لِآدَمَ
[ البقرة : الآية 34 ] . والوجه الثاني : سقوطهم عن منزلة تنزّههم وتقدّسهم عن التركيب والاشتغال بربهم وبذكره وتسبيحه وتقديسه عن الأغيار ، وعالم التركيبات والمركّبات والتطلع على أمر سوى معبودهم ، وذكره إلى رؤية نفوسهم بعد ذلك مسخّرين مذلّلين مشتغلين بخدمة الإنسان وتعديل صورته العنصرية المركبة بحكم :
وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ
[ الجاثية : الآية 13 ] ، المعبّر عنها بما علا
وَما فِي الْأَرْضِ
[ البقرة : الآية 255 ] المكنيّ عنها بما سفل جميعا منه ، وبموجب :
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا
[ غافر : الآية 7 ] ، وقوله :
وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ
[ الشّورى : الآية 5 ] ، يعني الإنسان . وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يصنع » « 1 » ونحو ذلك ، فكانت أملاكه خرّت لملكه الذي هو المزاج الإنساني وصورته العنصرية المركّبة التي هي من عالم الملك بحكم هذا التسخير .
وفي عالم التّذكار للنفس علمها ال مقدّم ، تستهديه منّي فتيتي
أراد بعالم التذكار للنفس : عالم الإنسانية الذي تتذكر النفس فيه ما كان مفطورا وجودها عليه من العلم الذاتي مصحوبا معه منه ومندرجا فيه عند تنزّله من هذه الحضرة الأحدية الجمعية ، والمرتبة الأولى حيث كان الوجود والعلم واحدا ظاهرا للذات الواحد الأحد في هذه المرتبة الأولى بلا مغايرة وغيرية من جميع الوجوه إلى حضرة جمع الجمع ومقام قاب قوسين والمرتبة الثانية ، وتميّز كل واحد من الوجود والعلم عن الآخر تميّزا نسبيّا لا حقيقيّا ، وخفاء العلم في ظاهر الوجود وخفاء باطن الوجود في ظاهر العلم المتعلق بالمعلومات فيها ، ثم في تنزل ظاهر الوجود من كونه مفاضا إلى المراتب الخلقية وظهوره بصورة التخصّص والتميّز والإضافات إلى الأشياء المتنوّعة المتكثّرة قلما ولوحا وعرشا وكرسيّا وسماوات وعناصر ومركّبات جمادا ونباتا وحيوانا وإنسانا ، حتى ظهر الوجود المضاف في جميع هذه الظهورات والأطوار والمراتب والحضرات ، وبطن فيه ذلك العلم الذاتي
هامش
( 1 ) رواه الحاكم في المستدرك ، كتاب العلم ، حديث رقم ( 339 ) [ 1 / 180 ] ؛ وابن حبان في صحيحه ذكر الخبر الدّالّ على أن الرقاد . . . ، حديث رقم ( 1100 ) [ 3 / 381 ] ؛ ورواه غيرهما .