تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
وأسست أطواري ، فناجيتني بها ، وقضّيت أوطاري ، وذاتي كليمتي يقول : وأحكمت بنيان أحوالي ومقاماتي ومواطني مثل التوبة والزهد والفقر والتجرّد والتفرّد ، وما تشتمل عليها هذه الكليات من الإنابة والمحاسبة والمراقبة والتبدّل والتوكّل ، وقطع النظر عن الجميع وخلع ملابس الغيرية ، ورؤية المغايرة ، والانطلاق عن التقيّد بحكم الظاهر أو الباطن ، وحكم تجلّياتها وتقيّد كل واحد منهما بشهود أحد وصفي الوحدة والكثرة فيهما ، والتوقّي عن وقوع نظري على مغايرة في طور الجمع بين التجليين الظاهري والباطني ، وشهود الضدّية بين الظاهر والباطن ، والأول والآخر ، والوحدة والكثرة في أطوار موطن دنياي وآخرتي وبرزخي وكثيبي ، وإنما أحكمت بنية هذه الأطوار من الأحوال والمقامات الكلّية والجزئية والمواطن كلّها بسراية حكم كمال الجمعيّة والاشتمال فيها بحيث صار كل واحد منها مشتملا على الباقي ، وحينئذ ناجيت حقيقة ذاتي الجامعة المشتملة على الكلّ بكل واحد منها ، وفي كل واحد منها ، وتوجهت إلى ذاتي من حيث كل واحد منها بحكم ذلك الاشتمال ، وقضيت أي : استوفيت تمام حاجاتي من كمالات متعلقة بكل واحد من هذه الأطوار جمعا وفرادى على أكمل وجه وأشمل أثر ، وكانت ذاتي هي المكلّمة إياي في جميع هذه الأطوار ظاهرة لي بصورة الطالب ، وبصورة المطلوب ، وبصورة السائل ، وبصورة المجيب حتى تحققت من حيثية صورتي الإجمالية ، وحيثية كل جزء وذرّة وأثر وقوة منها لجميع الكمالات المتعلقة بنشأة الظهور الحقيقي ، فافهم .
وبدري لم يأفل ، وشمسي لم تغب وبي تهتدي كلّ الدّراري المنيرة كنّى بالبدر عن حقيقة البرزخية الإنسانية بملابسة أن كل واحد منهما ليس له من ذاته نور ولا ظهور ، غير أن ذات البدر مجلى قابل لظهور النور الشمسي فيها بحسب قابلية ذات البدر وقدرها ، لا بحسب ظهور النور الشمسي إطلاق شعاعه ، وكذا حقيقة البرزخية الإنسانية ليست سوى نسبة جمعية لا موجودة ولا معدومة في نفسها ، وما لها من ذاتها نور ولا ظهور بنفسها ، غير أنها مجلاة قابلة لاجتلاء نور التجلّي الوجودي فيها بحسبها لا بحسب عين ذلك النور ، وعدم أفول بدره كناية عن دوام حكم حقيقة البرزخية الكبرى الثابتة في المرتبة الأولى ، وعدم تغيّر أحكام التجلّي الذاتي الظاهر فيها الذي هو نوره صلى اللّه عليه وسلم ، ودوام آثار هذه الحقيقة ونورها ،
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 304 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني