ذلك التقيّد بقيد الخصوصية والتميّز بوصف مخصوص وأثر معين إليهم ، ثم أنّى كلّما توجّهت من حيثية كل واحد منهم إلى مقام الذي هو أو أدنى كان ذلك التوجّه الخاص من حيثيّته جودا خاصّا وإنعاما متجدّدا بخلعة الاشتمال والإطلاق عن قيود الاختصاص واصلا مني إليهم .
قلت : وفي هذا البيت إشارات ، منها إشارة إلى المعراج الجسماني ، ومنها إشارة إلى معنى خطاب
إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً
( 12 ) [ طه : الآية 12 ] وسرّه أنه خوطب موسى عليه السلام بخلع نعليه الظاهرين المحسوسين في الظاهر لكونهما غير ظاهرين في الحقيقة ، وفي عين تلك الحالة فهم من ذلك الخطاب باطنه وسرّه ، والمراد به أنهما حكما روحانيته وجسمانيته فخلعهما من حيث الظاهر والباطن ، ووصل إلى الوادي المقدس الظاهر بالطور ، والباطن من وادي الجبروت - أعني وادي الأسماء والصفات الإلهيّة - بالصعق المذكور . وأمّا محمد صلى اللّه عليه وسلم فلم يخلعهما في إسرائه ظاهرا وباطنا ، ومنها أن أذكاره جميعها لم تكن مقيّدة بحكم وأثر ونتيجة مخصوصة ، ومنها إظهار كمال أفضلية محمد صلى اللّه عليه وسلم وأكمليّته على موسى عليه السلام ، فإن موسى عليه الصلاة والتحية كان يتقدّس بالوادي الظاهري والباطني ، ومحمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقدس الجميع من الإلهيات والكونيات بظاهره وباطنه إلى غير ذلك من الإشارات .
وآنست أنواري ، فكنت لها هدى وناهيك من نفس عليها مضيئة
آنست : أبصرت ، وأراد بأنواره : أنوار الأسماء الذي تحقّق بها في سيره من الكلّيات .
يقول : كما أن موسى عليه السلام آنس ، أي : أبصر نار اللّه التي كانت سبب هدايته إلى أصل مقصده وكماله ، كذلك أبصرت أنا أنوار الأسماء الإلهيّة والصفاتية الكلّية الأصلية التي تحقّقت بها في أثناء سيري ، ولكن أنا هديت هذه الأنوار إلى كمال الإطلاق عن التقيّد وإلى كمال الاشتمال ، وكفاك من شرف نفس مضيئة على أنوار الأسماء والصفات الإلهيّة نبّهناك عن أن تطلب سواها في التحقّق بشيء من الكمالات لاشتمالها على جميع الكمالات والأكمليّات .