تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
إخواننا » ، قالوا : أولسنا إخوانك يا رسول اللّه ؟ قال : « أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد » « 1 » الحديث ، فكما أن الذي ورثت ذوقه بالاستهلاك والفناء فيه وفي متابعته ، وبحكم النسبة والقرابة المذكورة قد أعطى متابعيه مواهب المعارف الظاهرية والباطنية وأسرار الشريعة والطريقة والحقيقة ، فأنا لو بثثت ما وهب لي من حضرته ومقامه لأتباعي الذين هم أتباعه لاستحقّ اللّوم من قاصري الأفهام من القوم .
ومن نوره مشكاة ذاتي أشرقت عليّ فنارت بي عشائي ، كضحوتي المشكاة : كوّة غير نافذة يجعل فيها المصباح لتقيه عن الانطفاء عند هبوب الهواء وجرمه أكثف من جرم الزجاجة التي فيها المصباح ، وهذا البيت مشتمل على جملتين فعليّتين كانت الأولى سببا للثانية ، فإن الفاء في الثانية للتسبيب داخلة في المسبّب ، وكلتا الجملتين محلّهما منصوب لكونهما حالا بعد حال من لست ملوما أن أبثّ مواهبي إلى آخره ، وأراد بعشائه طبيعته التي هي ظلمانية نظرا إلى أصل فطرتها ، وأراد بضحوته روحه الروحانية النورانية بجبلتها . يقول : ولا ألام ببثّ مواهبي لأتباعي حال كوني منسوبا ومتّصلا بصاحب مقام أو أدنى صلى اللّه عليه وسلم بحكم الوراثة ، أو بإشارة إلى صحة نسبتي إليه بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « السلام علينا » « 1 » ، وحال فناء كوني وأنيّتي فيه بالكلّية ، وفي كمال متابعته وفي حبّه وكون مشكاة ذاتي الخالية عن مصباح بقائي الفنائية فيه قد أشرقت بنور بقائه المنصبغ بحكم حقيقة الجمعية ، وصار ذلك الإشراق بنوره سببا لأن أصبحت عشية طبيعتي المظلمة لذاتها نورانية مشرقة مثل ضحوة روحي الروحانية النورانية ، ولما أثرت جمعيته ونوريّته صلى اللّه عليه وسلم في باطني وظاهري ، وانصبغت صورتي العنصرية التي هي المشكاة بنور روحانيّتي ، ومعناي حينئذ أضحى ذلك النور الأحمدي الذي هو نور السماوات ، أعني جميع ما تكون نسبته إلى العلوّ من الأرواح ولطائف الأجسام « الأرض » أي جميع ما تكون نسبته إلى السفل من العناصر وكثائف ما تولّد منها مشتملا على ظاهري وباطني وسرّي وجهري وقلبي ونفسي ومزاجي وجميع أجزائي وأبعاضي ، بل ذاتي وصفاتي كلّها .
هامش
( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 300 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني