تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
عنها ، وعند معرفة النفس بأوصافها المنفصلة عن ذات ربها يستدلّ بها على ذات ربها ، وقوله : وهي التي على الحس ما أملت مني ، أمّلت : يعني نفسي هي التي أملت معرفتها على الحسّ شيئا طلبته من ذاتي من عيون المعارف وكمال التحقيق من حيث جميع المراتب الحقية والخلقية وما فوقهما مما لم يتعيّن مقدرا ، ويتعيّن مع الآنات من غيب الغيب ، واللّه المرشد .
ولو أنني وحّدت ، ألحدت ، وانسلخ ت من آي جمعي ، مشركا بي صنعتي قوله : وحّدت ، أي : أثبت الوحدة بنفي الكثرة وخلوّها عن الوحدة بالكلية ، والإلحاد : الميل عن الاستقامة ، وسمّى الشرك إلحادا لميله عن استقامة التوحيد ، ويقال : سلخت الجلد من الشيء فانسلخ ، أي : نزعته فانتزع ، وصنعتي : أي مصنوعي ، ومشركا حال من ألحدت وانسلخت ، ومن حرف تعدية انسلخت ، والباء في بي لتعدية إشراك . يقول : لما ظهر مما تقرّر أن ذاتي الذي هو عين الوجود واحد وله نسب منها ما هو ظاهر بصور المراتب ، ومنها ما هو ظاهر بصور أهليها بحسبها وحكمها ، ومنها ما يقتضي أن يظهر أهله بوصف الوحدة الحقيقية والكثرة النسبية كالمرتبة الثانية ، ومنها ما يقتضي أن يظهر فيه أهله بوصف الوحدة الحقيقية كالقلم ، والكثرة الحقيقية كاللوح ، ومنها ما يحكم بأن يظهر فيه أهله بصورة الكثرة الحقيقية والوحدة النسبية في ضمن العدالة والجمعية نحو مرتبة المثال والحسّ وجميع المراتب وأهاليها ليست إلّا صور نسب هذه الذات والوجود الواحد وعينه ، فلو أني أثبت وحدة الذات الحقّ المطلوب المحبوب ونفيت جمعيته وكثرة نسبه عنه كما أثبتت ونفت المنزهة وبعض الفلاسفة هداهم اللّه لكنت مائلا عن الاستقامة على سنن توحيد الوجود منسلخا عن لباس آيات جمعي التي هي صور نسبي وصفاتي الثلاثة المحقّقة في مراتب ظهوري حال كوني مثبتا شركة بين عين الوجود الثابت في المرتبة الأولى الواحد الأحد الظاهر بالوحدة الحقيقية بحسب تلك المرتبة وحكمها ، وبين عين الوجود الظاهر في المراتب الخلقية والكونية بصورة كثرة مصنوعاتي ومفعولاتي بحكم هذه المرتبة وبحسبها ؛ فلهذا المعنى لا أقوم إلّا على قدم الاستقامة على سنن الجمعية وإثباتها ، ولا أنفي شيئا من الوجود ولا أقول بخلوّه عن الحقّ ، بل لا أشهد إلّا هذا ، ولا أسمع إلّا هذا ، ولا يظهر مني فعل إلّا على وفق هذا ، فإني بحكم كمال المتابعة لصاحب هذا الأصل وقفت على سرّ هذا