تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
إدراك مخصوص متعلق بالحقّ تعالى وبأسمائه وصفاته والملأ الأعلى ، وإدراك الإنسان نفسه وروحه ويتلى من التلوّ ههنا بمعنى يتبع الشيء في التكوّن للشيء وترتّب وجوده على وجوده لا بمعنى التلاوة ، وأراد بقوله : كل صبيحة ، أي كل حالة تتجدّد وتظهر ، والباء في بها متعلّقة بيتلى بتضمين معنى يوصل ، والضمير راجع إلى النفس ، وفيه حذف المضاف ، أي بعرفان النفس . وقوله : ويتلى بها لعرفان ، أي : عرفان الرّب ، فالألف واللام يكون للعهد المتعارف في الحديث المشهور ، وهو قوله : « من عرف نفسه فقد عرف ربّه » « 1 » ، والمصدر في عرفانها مضاف إلى الفاعل ، وقوله : من نفسها ، أي من ذاتها ، وقوله : وهي ، أي : النفس ، وعلى الحس متعلق بأملت . يقول مخاطبا للطالبين الراغبين في معرفة النفس المترتّبة عليها معرفة الربّ : اعلموا وتنبّهوا أنه إذا أريدت معرفة النفس بحيث يتبعها ويتّصل بها معرفة الذات بموجب « من عرف نفسه عرف ربّه » « 1 » ، فلتعرف مثل ما عرفته وبيّنته وأوضحته بالأمثلة غير مقيّد بوقت وزمان مخصوص ، بل في كل تجدّد حال تتلبّس النفس بها من أثر قول أو فعل أو بصر أو سمع مضاف جميعها إلى فاعل واحد هو نفسك ، وذلك بأنك إذا نظرت من حيث تقيدك وتقيّد نفسك بعالم الحسّ وببطنها الأول والثاني ، ووجدت الآثار والأفعال مضافة إلى فاعلين مختلفين ، وذلك لسانك وسمعك وعينك ويدك ورجلك وصادرة منها ، ثم إن انطلقت عن هذا القيد ونظرت من حيث بطنها الثالث ألفيتها مضافة إلى فاعل واحد وصادرة منه وهو نفسك التي هي محل ومنشأ لكون هذه الأوصاف والآثار ، وهي في الحقيقة أوصاف ربّك ونفسك مجلاة لها . وإذا ترقى نظرك إلى البطن الرابع وجدت عين هذا الفعل والقول والبصر والسمع عين وجود ربك ونفسك صورة نسبة من ذلك الوجود ، وإذا ترقّيت إلى البطن الخامس والسادس ترى الكلّ عينا واحدا بعضها منسوبا إلى حضرة الظاهر ، وبعضها منسوبا إلى حضرة الباطن ، لكن مع أدنى مغايرة بين حكم الظاهرية وحكم الباطنية ، وعند الترقّي إلى البطن السابع تشاهد الكل واحدا مع ارتفاع أثر المغايرة ، وينتهي النظر والارتفاع عند ذلك بالكلّية .
هامش
( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .