تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
واحد منهما ، فلم يخل موجود عن حقية لذلك ، لكن الحقية في المهتدين ظاهرة ، وفي الضالين مخفية كامنة . وقوله : على سمة الأسماء تجري أمورهم ، يعني : أمور المهتدين وأفعالهم وأقوالهم وأخلاقهم السديدة المشروعة تجري عليهم وتظهر منهم على مقتضى اسم الهادي ، وعلامة اقتضائه ظهور آثار الحقية الثابتة فيهم بحكم الشرع وأمور الضالين وأفعالهم وأقوالهم وأخلاقهم الغير السديدة والمنحرفة إنما تجري عليهم وتظهر منهم على مقتضى اسم المضلّ وعلامة اقتضائه خفاء الحقية ، فهم مغلوبيتها بحكم الهوى والطبع منهم ، وحكمة وصف الذات نفسه بالجمعية بين القبضتين : قبضة السعادة واليمنى وقبضة الشقاوة واليسرى أجرت على أهليهما حكمة تكوّنهما فيهما ، واختصاص كل طائفة بواحدة منهما . وقوله : تصرفهم في القبضتين ، يعني : لما كانت هذه النشأة الدنيوية نشأة تقتضي مزج أحكام القبضتين واختلاط بعضها ببعض كان من مقتضاها أن يصرف أهل القبضتين فيهما ، فتارة ينعم أهل قبضة الشقاوة ، ويساعدهم بسعادة الدّعة والراحة وخفض العيش ، ويعذّب أهل قبضة السعادة ويبليهم بالحرمان والكدّ وضيق العيش ، وطورا بالعكس ، ومرة ينعمهما ويسعدهما جميعا ، ووقتا يبلهما ويشقهما جميعا ، فيصرفهم في هذه النشأة في القبضتين ، كذلك في جميع الأوقات على نسق واحد بالنسبة إلى بعض ، ومتحوّلا متبدّلا من حال إلى حال ، ومن وصف إلى وصف بالنسبة إلى بعض مع أن كلّا منهم معدودون ومعيّنون لما قدّر لهم أن يختصّوا به من القبضتين في النشأة الآخرة التي مقتضاها التمييز بين أهليهما بلا مبالاة لتصرّفه في ملكه كما يشاء لحكمة كاملة خفية له في ذلك الأمر ، لا يطّلع عليه إلّا هو . ووجه آخر : بمعنى قوله : يصرفهم في القبضتين ، يعني يحمل كل طائفة على ما يطابق حكم قبضته من ملازمة الشرع ومتابعة الهوى والطبع وتوجد الأفعال والأقوال والأحوال فيهم على وفق مقتضى ما هم له أهل وقابل في التقدير الأزلي ، ويقول : لا أبالي ولا أبالي ، أي لا ألتفت ولا أعتدّ بمطابقة ما قدرت وكتبت أحوال هؤلاء الذين خلقت فيهم الإيمان والإحسان الذي يوافق تخصّصهم بقبضة يميني ولا أبالي بوقوفهم وعدم وقوفهم على سرّ هذا التخصص ، ولا أعتدّ أيضا بعدم مطابقة ما قدرت وكتبت أحوال هؤلاء الذين خلقت فيهم ما يناسب تخصّصهم بقبضة
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 288 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني