يساري من الكفر والعصيان ، ولا بوقوفهم وعدم وقوفهم على سرّ هذا التخصص ، فإني أنا المتخصّص بهذا السرّ ، والوقوف على حكمته ومبتلي كلا الفريقين أعلاهم وأدناهم بالحيرة في بيداء أحكام جمالي وجلالي ومقتضياتهما .
ولم يتخلّص من حكم هذه الحيرة ولم يتخصّص بفهم هذا السرّ وحكمته عن بصيرة وخبرة إلّا من غرق في لجّته حقيقة الجمعية وقاموس الوحدة ومحى اسمه ورسمه في تلك الحالة من ديوان كلتا الفريقين من أهل التفرقة تفهم هذا تقف على سرّ قوله عزّ وجلّ لعزير عليه السلام عند الحاجة في سؤال كشف سر القدر عليه :
« أما إني لا أجعل عقوبتك إلا أن أمحو اسمك من ديوان الأنبياء ، فلا تذكر فيهم » « 1 » ، رواه ابن عباس رضي اللّه عنه . وأنا الغني أيضا بذاتي في ذاتي عن جميع ما يبدو من الخير والشرّ والإيمان والكفر من كلتا الفريقين وعنهم أيضا ، وهاتان القبضتان أحدهما قبضة تنعيم وسعادة ، والأخرى قبضة تعذيب وشقاوة ، وقد عيّنت لهما صورا ومظاهر صورية ومعنويّة في نشأتي الدنيا والآخرة .
أمّا عالم الملك الذي هو عالم التركيب والطبيعة العنصرية ، فهو مظهر قبضتي اليسرى . وأمّا عالم الملكوت الذي هو عالم النفس والروح وعالم الحمد بلسان الفعل بإظهار أحكام الفاعلية والتصرّف والتأثير في عالم الملك ، فإنما هو مظهر قبضة يميني ، ثم العلويات والسفليّات المعبّر عنهما بالسموات والأرضين هي مظهري قبضتي بموجب :
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
( 67 ) [ الزّمر : الآية 67 ] ، وتخصص قول مظهريتهما بيوم القيامة باعتبار عموم ظهور مظهريتهما في ذلك اليوم بحكم :
وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
( 64 ) [ العنكبوت : الآية 64 ] ، ثم الإيمان والكفر تعيّنا لمظهريتهما المعنوية ، ويجمع جميع ما ذكرنا قوله تعالى :
يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 1 ) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
( 2 ) [ التّغابن : الآيتان 1 ، 2 ] .
قال الشيخ الكامل المكمل محيي الدين بن العربي رضي اللّه عنه : هذا تسبيح القبضتين ، وذلك إشارة بليغة كاملة إلى ما ذكرنا ، فأهلهما يقلبون ويصرفون فيهما
هامش
( 1 ) رواه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ، في أن الأمثال من معدن الحكمة . . . ، [ 3 / 24 ] .