في هذه النشأة الدنيوية لكونها دار مزج ، ولكن مظهرهما الحقيقي في النشأة الآخرة إنما هو الجنّة والنار ورضوان ومالك ، فتميّز القابض في تلك النشأة الأخرويّة بين أهل قبضتيه الخبيث من الطيّب ، ويجعل الخبيث بعضه على بعض ، أي يجمع بين أعيانهم وأعراضهم من صور أفعالهم وأقوالهم وذمائم خصالهم المتجسّدة جميعها في تلك النشأة بحسب حكمها ، ويلقي بعضها على بعض طبقة على طبقة ، فيغلظ ويعظم بذلك جسومهم ، ثم يتملكهم مالك فيسلّط عليهم النار وعذابها ، فيذوقوا العذاب أولا أدنى طبقة مماسّة للنار من طبقات جسومهم حتى ينضج ويفنى ، ثم يبدّل طبقة أخرى كانت تحتها فتصير مماسّة للنار ، فيذوق بها العذاب حتى ينضج ويفنى ، فهكذا يذوقون العذاب بطبقة بعد طبقة من جسومهم على ما شهد بذلك صريح النصّ القرآني في قوله تعالى :
كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ
[ النّساء : الآية 56 ] ، وإنما كانت جلودهم صور عقائدهم وأقوالهم وأعمالهم وخصالهم ، فافهم واللّه المحسان .
وأما الطيب ، فحيث تميّز من الخبيث إما بمجرد الورود أو بيسير توقّف أو كثيره في النار حتى إذا زال الخبيث العارض عليه جذبه الرضوان وأدخله في صورته التي هي الجنّة ، فينعم فيها كل واحد أبد الآبدين بلا توهم مزج نعيمهم بتكدّر وكدورة عيش من خوف خروج ونفاد ما فيها إلى أن يشملهم حكم وحدة القابض وشهوده ، ويشملهم عين الرحمة الاختصاصية من عين منة وجوده ويغلب على آثارها على حسب أقدارها ، فافهم « فما وراء عبادان قرية » « 1 » ولا تك من لقائه في مرية .
ألا هكذا ، فلتعرف النّفس ، أو فلا ، ويتل بها الفرقان كلّ صبيحة وعرفانها من نفسها ، وهي الّتي ، على الحسّ ، ما أمّلت مني ، أملت
ألا وها وضعت لتنبيه المخاطب قبل الشروع في الجملة ليتفطّن لما يقال له ، لأنه قد يفوته على تقدير الغفلة ، وخصوصا إذا كان الكلام يتضمّن أمرا مهمّا ضبطه وتفهّمه ، فيجمع حالتئذ بين اثنين منهما ، فيقال : ألا هكذا ، وذا إشارة إلى ما سبق من التقديرات ، وإيضاح المعنى بالأمثلة المذكورة المحسوسة ، والمعرفة والعرفان في اللغة : إدراك الشيء بتفكّر وتدبّر لأثره ، وقيل : أصلهما من عرفت الشيء ، أي أصبت عرفه ، أي حدّه ، أو أصبت عرفه ، أي رائحته ، وفي الاصطلاح الخاص
هامش
( 1 ) مثل سائر معناه ( ليس بعد مرمى ينال ) هذا وقد سبقت الإشارة إليه .