تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
الذات محذوفان وهما نفسه بالجمعية في قوله تعالى :
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ
[ الحديد : الآية 3 ] ، وبالقبضتين في حديث مذكور في نوادر الأصول للحكيم الترمذي رحمه اللّه ، فيما روي عن أبي الدرداء رضي اللّه عنه ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه تبارك وتعالى خلق آدم فضرب بيمينه على اليمنى فأخرج ذرية بيضاء كالفضّة ، ومن اليسرى سوداء كالحممة ، ثم قال : هؤلاء في الجنّة ولا أبالي ، وهؤلاء في النار ولا أبالي » « 1 » ، فقوله : « على اليمنى » أي : على جنبه أو على جهته اليمنى ، وقوله : ولا ولا فيه حذف اعتدادا بفهم السامع ، وإدراج هذا الحديث بتمامه في هاتين اللفظتين وهما : ولا ولا ، أي هؤلاء في الجنّة ولا أبالي ، وهؤلاء في النار ولا أبالي . المعنى : يقول : إنما منعني عن القول بحقية جميع الأشياء وكل ما أبرز في الوجود وجوب قيامي بأحكام المظاهر الكونية ورعاية حكمها المذكور ، ولولا ذلك لقلت بها لأنه لا عبث عبثا صرفا لا حقية فيه كائن وثابت في جميع ما أبرز في الوجود حال عدم كون إيجاد الخلائق باطلا محضا ، بل كل شيء ظاهر في الوجود لا بدّ وأن يكون فيه حقية كامنة لا يطلع عليها إلّا هو ، ومن أشهده وحدة الوجود وحقّيته وسرايتها في كل موجود ، وإن لم يكن أفعالهم ظاهرة بصورة السداد بالنسبة إلى النظر من حيث مقتضيات حكم اسم الهادي ، فلا يقدح عدم الظهور بوصف السداد من هذه الحيثية في ثبوت حقية كامنة فيهم ، فإن الحقية اللازمة لعين الوجود مطلقا سارية في جميع الأسماء الإلهيّة ومقتضياتها ، فإن كل اسم إلهي مثل الهادي والمضلّ والرحيم والقهار ليس إلّا عين الوجود الحقّ ، لكن من حيثيّة وصف مضاف إلى الحضرة الإلهية ، مثل الهداية والإضلال والرحمة والقهر والإعزاز والإذلال ، فإنه كما أضاف وصف الهداية إلى تلك الحضرة بقوله :
وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
( 46 ) [ البقرة : الآية 213 ؛ النّور : الآية 46 ] ، لذلك أضاف الإضلال إليها بقوله :
وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ
[ إبراهيم : الآية 27 ] ، وكل مدد وجودي وارد على المهتدين في اهتدائهم لا يرد إلّا من حضرة اسم الهادي ، وعلى الضالّين في ضلالتهم لا يرد إلّا من حضرة المضلّ بوساطتهما لإظهار كمال متعلّق بكل
هامش
( 1 ) رواه ابن حبان في صحيحه ، ذكر البيان بأن قوله صلى اللّه عليه وسلم : « فكلّ ميسّر . . . » حديث رقم ( 338 ) [ 2 / 50 ] .