ذلك ، فيترتّب عليه البتّة حكم الثواب والعقاب والمؤاخذة والمطالبة والحساب في الدنيا والآخرة اللتين هما من الكون ، والداخلتين في حيطة عالم الحكمة .
وأمّا إذا انطلق من وثاق الكون وقيّد مراتبه واتّصل بمتّسع فضاء عالم الوحدة بحيث أضحى حاضرا وناظرا في تلك الحضرة متحقّقا بها وأمسى غافلا وذاهلا عن الكون ومراتبها وما فيها من الحقائق ، وعن الشعور بنفسه وكونه وعن كل ما كان يراه مضافا إليه من الصفات والأعراض واللوازم ، وشاهد الواحد الحق بالحقّ ويبصره لا بنفسه ، وما كان يضاف إليه من البصر حينئذ تنصبغ عينه ، وكونه بحكم ذلك العالم ، فلم يلحظ غيرا ولا غيرية ولا باطلا أصلا ، ويرى جميع الأشياء عينا واحدا بلا تميّز ولا مغايرة بينها ، كما هو حال المولهين المجذوبين وبعض عقلاء المجانين ، فيصبح فارغا عن التكاليف والأمر والنهي والحل والحرمة وجميع أحكام الشرع المتعلقة جميع ذلك بكمال العقل وحصول التمييز به بين الخير والشرّ ، والنفع والضرّ ، والمنع والإعطاء ، والإعزاز والإذلال ، واللّطف والقهر ، والقبول والردّ ، واللذّة والألم ؛ فبزوال هذا العقل المميّز والغفلة والذهول عنه يرتفع جميع التكاليف الشرعية والحل والحرمة عنه .
ثم إذا رجع من عالم الوحدة إلى عالم الكون وشعر بنفسه وعاد إليه عقله المميز عادت التكاليف كلّها وطولب بجميع أحكام الشرع لكونه حاضرا مع الكون ومراتبه فلزمه حكمه ، فإذا أجرى حكم عالم الوحدة في حضوره مع الكون وحال شعوره بكونه وعقله وإلى فرقه بين الخير والشرّ ، والألم واللذة وأمثال ذلك ، حيث يقول : رأيت في عالم الوحدة جميع الأشياء شيئا واحدا ، فليس عندي أمر ونهي ، وحلّ وحرمة ، وتميّز بين الأشياء والكل عندي واحد ، بلا فرق بين الحلّ والحرمة ، كان زنديقا مباحيا مباح الدم ، فلهذا يقول : لولا أن حجاب الكون بين الخلق وبين عالم الوحدة وشهود توحد جميع الأشياء والأديان والملك فيها واقع وشعوري بذلك الحجاب وحضوري مع الكون وإدراكه ، ومع أحكامه التي هي مظاهر أحكام الأسماء الإلهية ومقتضياتها ، ووجوب قيامي بأحكام المظاهر الكونية التي هي التقيّد بأحكام الشرع وإثبات ما أثبته ، ونفي ما نفاه ، لقلت بحقية جميع الأشياء والأديان ووحدتها بلا شائبة بطلان بالكلية .
وأن لا مؤاخذة ولا مطالبة على كل ما يصدر من الإنسان بناء على شهودي عالم الوحدة وحكمه ، ولكن وجوب القيام بأحكام المذكور صار مسكتي ومانعي
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 285
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص٢٨٥