تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
يقول : إن للوجود الواحد الحقّ حكما ووصفا وخاصية ذاتية لا تفارقه في مرتبته وهو الوحدة والجمعية السوائية وصرافه الحقية المخلصة عن شائبة البطلان وارتفاع التميّز والغيرية ، وللكون ومراتبه خاصية وحكما ووصفا هو الكثرة والتفرقة وشائبة البطلان أو غلبته على أثر الحقية الكامنة ؛ لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « أصدق كلمة قالتها العرب قول لبيد :
ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل » « 1 »
وثبوت التميّز والمغايرة والاختلاف والتنافر ، وليس يظهر الكون بجميع خواصّه وأحكامه وأوصافه إلّا في الوجود الواحد ، ولا يظهر شيء من أشعة نور الوجود الواحد في المراتب الكونية لإظهار الكمال الأسمائي إلّا في مجالي حقائق كونية ، فكان وحدة الوجود إنما خلف حجاب كثرة الحقائق الكونية ، فما دام أثر وحكم من أحكام الكون ومراتبه غالبا على أحد أو ظاهرا فيه لا يظهر له من وحدة الوجود جمعيّته ، وحكم عدم المغايرة في كل ما يدركه شيء أصلا . ثم إن كل حقيقة كونية من حيث تقيّدها بالكون وأحكام المراتب الكونية لها وجهان : وجه إلى الوجود المظهر أحكامها وصفاتها وآثارها ، وذلك الوجه يقتضي ظهور أثر الوحدة الذي هو العدالة والجمعية والنورية والحقّية وكشف الحجب وقبول أثر الهداية والرحيمية ، ووجه إلى نفسها وتوابعها ، وذلك الوجه يقتضي ظهور الكثرة والانحراف والظلمة والبطلان وغلبة حكم الحجابية وظهور أثر الإضلال والقهر فيها ، وكل وجه منها له حكم وأثر مخصوص . أما حكم وجهها الذي يلي الوجود ، فهو الإسلام والإيمان باللّه وبرسله واليوم الآخر وانقياد الأوامر والنواهي والتقيّد بأحكام الحلّ والحرمة والحسن والقبح والتميّز بينها وبين مقتضيات كل واحد من الثواب والعقاب بحكم الاستحقاق والإيمان بأن كل فعل وقول حسن أو قبيح أو مأمور به أو منهيّ عنه ينشئ صور درجات أو دركات ونعيم مقيم أو عذاب أليم في الجنّة والنار ، وأثر حكم هذا الوجه من الإسلام والإيمان والتقيّد بأحكام الشرع والأمر والنهي والعمل بذلك قلبا وقالبا ، ونتيجة هذا كلّه إنما هو حصول رضا الموجد الحقّ الواحد ودخول جنّاته التي هي صور ذلك الرّضا ومظهر
هامش
( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .