تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
وخلده أن ذلك النور نور إلهي هو عين النار ، وخاطبه بأن تشعل نارا تعبدها ، فإنها معبود لا غيرها ، ثم خاطبه من عين تلك النار بخطابات معقولة تناسب اعتقاده من الفعال والخصال المرضية من صدق وعدل وترك أذية وإيصال راحة وحلم واحتمال ونحو ذلك ، وظنّ زردشت أنها وحي إلهي وحسب نفسه نبيّا من الأنبياء ، فرجع إلى الخلق ودعاهم إلى عبادة تلك النار التي أشعلها بلمّة الشيطان على زعمهم أنها عين نور الإلهيّة وإلى الإقرار بنبوّته وشرع لهم رعاية الصدق والاحتمال وإيصال الراحة وترك الإيذاء بالكلية شريعة ، وجمع تلك الخطابات وجعلها كتابه النازل عليه وسمّاه زندا وشرحه وسمّاه استا ، وقيل : إنه دخل تلك النار وأدخل بعض قومه معه فلم يحترقوا ؛ لكون ذلك من فعل الشيطان ولمّته ، فلا تحرقهم لحفظ الشيطان إيّاهم حتى يتمّ إغواؤه ودعوته . فيقول الناظم رحمه اللّه بلسان الجمع : حيث كان زردشت وبعض قومه كانوا في طلبي وظهر في غلواء طلبهم شيء من أشعّة نوري من حيث بعض مظاهري الروحانية ، فشبّهوها بالنار وبواسطة تلك الأشعة ضلّوا عن عين نوري في زمان هداهم إلى تلك الأشعة ، فمن جهة أنهم إنما أقدموا على عبادة النار على ظنّ انحصار نوري في صورة تلك النار التي أوقدوها ، واعتبار كوني أول مقصدهم كان عذرهم قائما ، وباعتبار حصرهم وتوهّمهم الفاسد وقعوا في بعد مني ، فلم يكونوا مأخوذين من جميع الوجوه ، بل من وجه دون وجه ، فإذا نظرت إليهم جميعهم من حيث وحدة وجودي التي كانت الهداية والإضلال من نسب واحديتها لا لوم على أحد ، فكلّ يعمل على شاكلته من إظهار أحكام الهداية والإضلال والرحمة والقهر والإعزاز والإذلال ، وإذا نظرت من حيث كثرة أحكام الكون وحجابيتها يحتاج كل واحد إلى عذر ويقع على بعض لوم وعتاب وعقاب ، ويقع لبعض استحقاق الشكر والثواب .
ولولا حجاب الكون قلت ، وإنّما قيامي بأحكام المظاهر مسكتي يعني : لولا حجاب الكون ومراتبه وتقيّده بأحكام الكثرة وإثبات الغير والغيرية ورؤية المخالفة والضدّية ، لقلت إن جميع ما ظهر من الوجود خير ووحداني لا شرّ فيه ، وجميع الطرق راجعة إلى مقصد واحد لا غيرية ، ولا مغايرة في المقصد ، ولكن وجوب قيامي بأحكام المراتب ومقتضيات مظاهر الأسماء وإعطاء كل مرتبة حقّها ومقتضى مظهر كل اسم حقّه يسكتني عن هذا القول .
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 282 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني