وإن خرّ للأحجار في البدّ ، عاكف فلا وجه للإنكار بالعصبيّة فقد عبد الدّينار ، معنى ، منزّه ، عن العار بالإشراك بالوثنيّة
قوله : خرّ ، أي : سقط سقوطا يسمع منه خريد ، أي صوت من ريح أو ماء ونحوهما مما يسقط من علوّ ، وخرّ له ، أي : سقط على الأرض لأجله بالسجود والخضوع مصوّتا بما يوجب تعظيمه ، والبدّ تعريب بت ، وهو الصنم والعكوف هو الإقبال على الشيء وملازمته والإقامة في الشيء ، وحرف في يتعلق بعاكف ، يعني في خدمته على حذف المضاف ، وقوله : فلا تعدّ من العدو ، وهو التجاوز عن الحدّ للإنكار ، أي لأجله بسبب العصبية ، أي التعاضد لنفسك وطبعك وإحكام عاداتك ، والفاء في فقد عبد للسببية داخلة في السبب ، لا في المسبّب الذي هو عدم التعدّي للإنكار بالعصبية ، ومعنى منصوب على التمييز .
يعني : إذا رأيت عابد صنم ساجدا له معظّما إياه ، فاقدم على الإنكار عليه على حدّ ما أنكره الشرع موافقة له ، ولا تتجاوز حدّ الإنكار المشروع بحكم طبعك وعصبية نفسك حيث تراه عاكفا في خدمة صنمه مخالفا لعادة عبادتك وما يلازمه ، بحيث ترى عين عابد الصنم وصورته وفعله عبثا بالكلّية لا فائدة في كونه وبقائه في الوجود ، فإنه متصدّ بذاته وفعله لإظهار مهم ومقصد عظيم هو كمال الظهور والإظهار من حيث جميع الأوصاف والأسماء ومقتضياتها التي منها إظهار الكمالات المتعلقة بوصف القهر والإضلال ، فأنت لا تعد بالإنكار حدّ الشرع بلسان اسم الهادي لأنك تشاهد كثيرا مثل هذا العابد للصنم وأنحس منه من جهة فعله الذميم وتنزّهه عن عار الإشراك بالوثنية ولا تنكر عليه ، وهو في معاناة ذميم الفعل وقبيح الصنيع أشدّ وآكد ؛ وذلك لأنه كما ترى عابد الصنم مكبّا على تعظيم صنمه وصرف عمره في توقيره وتعظيمه ومضيفا إليه نفعه وضرّه وخيره وشرّه بالوساطة لا بالأصالة بحكم
أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ
( 3 ) [ الزّمر : الآية 3 ] ، وجاعلا إيّاه قبلة حاجاته بالوساطة كما قلنا . فكذلك تلقى صاحب الدينار والدرهم صارفا جميع عمره في توقيرهما وتوفيرهما وجاعلا إيّاهما قبلة حاجاته ، ومعتقدا بأن فيهما تنحصر كفاية جميع مهماته ودفع بليّاته بحيث يرى حياته وبقاءه معذوقا ببقائهما وكونهما حتى إنه يفديهما بروحه وحياته ، ومع ذلك أنت تراه وتعتقده موحدا بريّا ومنزّها عن الشرك ،