تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
مع أنه أقوى شركا في باطنه من عابد الصنم ظاهرا ، فإن عابد الصنم يستحضر في قلبه حقيقة
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ
[ الزّمر : الآية 3 ] ، وتوحيد المعبود الحقيقي يخطر بباله عند الشروع في عبادة الصنم وحال تعظيمه إيّاه غير أنه يثبت للصنم مشاركة بالوساطة في إيصال النفع والضرر مع الفاعل الواحد الحقيقي وصاحب الدنيا الحريص المكبّ على جميع الدنيا والدرهم عند إكبابه على جمعهما والإقبال على توقيرهما وتوفيرهما لا يخطر قطّ بباله من يعطيه ويرزقه إيّاهما ، وهو الحقّ تبارك وتعالى ، بل يرى قضاء جميع حاجاته وكفاية كل مهمّاته ، والوصول إلى مجموع آماله وأمانيه ودفع سائر المكاره والمضارّ عنه ، وحصول جملة المنافع والمحابّ والمطالب له منحصرا فيهما وموقوفا عليهما ورضاه وسخطه عن الحقّ تعالى متعلّق بكونهما وفوتهما ، ولهذا دعا النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في قوله : « تعس عبد الدينار ، وعبد الدرهم ، والقطيفة ، والخميصة ، أن أعطي رضي ، وإن لم يعط لم يرض » « 1 » ، وفي حديث الأبرص والأقرع والأعمى الذين كانوا في بني إسرائيل المشهور دليل على صحة ما قلنا ، فإذا لم تنكر على صاحب الدينار والدرهم الذي هو أقوى شركا في الباطن من عابد الصنم في شركه الظاهر على ما قرّرنا ، فأنكر على عابد الصنم قريبا من إنكارك على المكبّ على حبّ الدنيا ، وإلا فاترك العصبية الطبيعية النفسانية ، واقتصر على مقدار إنكار الشرع موافقة له ، ولا تعدّ عن ذلك تسلم من وخامة عاقبة الظلم .
وقد بلغ الإنذار عنّي من بغى ، وقامت بي الأعذار في كلّ فرقة يقول بلسان الجمع : وأنا من حيث مظاهر هدايتي ورحمتي الذين هم خواصي من الأنبياء والرسل وأولي العزم منهم ، والعلماء المختصّين المحقّقين قد بلغت أحكام تخويفي وآثار إنذاري من وخامة عواقب ملازمة الطبع والظلم والكفر والانهماك في ترك متابعة العدل والشرع وملازمة الشهوات العاجلة ، ولزوم متابعة الهوى المسلم إلى الهاوية ، فبلغ ذلك الإنذار كل من كان قابلا للقبول والوعي بباطن سمعه أو قلبه ولبّه ولازم الزهد والعفاف والشرع والتقى والإنصاف وتحقّق
هامش
( 1 ) رواه البخاري في صحيحه ، باب الحراسة في الغزو في سبيل اللّه ، حديث رقم ( 2730 ) [ 3 / 1057 ] ؛ ورواه ابن حبان في صحيحه ، ذكر الزجر عن أن يكون المرء عبد الدينار والدرهم ، حديث رقم ( 3218 ) [ 8 / 12 ] ؛ ورواه غيرهما .
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 277 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني