وما زاغت الأبصار من كلّ ملّة ، وما زاغت الأفكار من كلّ نحلة
زاغ البصر : كلّ وأخطأ في النظر ، وزاغت الأفكار : مالت وحادت ، من قولهم : طريق زائغ ، أي مائل ، والملّة كالدين ، والفرق بينهما أن الملّة لا تضاف إلّا إلى نبي مشرع ، وتكاد توجد مضافة إلى اللّه ولا إلى آحاد الأمة بخلاف الدين ، وأصله من أمللت الكتاب ، أي أمليته ، والنحلة : دعوى حقية رأي ومذهب معين ، وذلك من قوله : انتحل فلان الشعر إذا ادّعى أنه له ، ومفعول زاغت من جار ومجرور محذوف ، وهو إلى الباطل بالكلية ، ومن في قوله : من كل ملّة للابتداء ، يعني : ما زاغت الأبصار اللاحظة الكائن ابتداء لحوظها من كل ملّة .
يعني : لمّا كان توجّه أهل كل ملة ونحلة لا يكون إلّا إلى حضرة إلهيّتي من جهة لم يكن نظرهم كليلا ومحطيا عن الحق بالكلية ، فلا وجه لرؤية كونهم عبثا باطلا ، وأفكار كل مدّعي رأي ومذهب وإقامة الدليل على حقيته لم يكن مائلا عن الحقّ إلى الباطل من جميع الوجوه ، بل عندي لكل واحد وجه ، ومحمل خير يحمل عليه ولم يحكم ببطالته بالكلّية ، وهذا أيضا بلسان الجمع المذكور .
وما اختار من للشّمس عن غرّة ، صبا وإشراقها من نور إسفار غرّتي
اختار : افتعل من حار يحور حورا إذا انتقص ، ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم : « نعوذ باللّه من الحور بعد الكور » « 1 » ، أي من النقصان بعد الزيادة ، وصبا : مال ، والإسفار :
الإشراق ، والغرّة أصلها بياض في جبهة الفرس ، ويكنى بها عن الوجه وهو المراد ههنا ، واللام في قوله : للشمس بمعنى إلى متعلقة بفعل صبا ، والواو في قوله :
وإشراقها للحال أي حال حصول إشراق الشمس من نور إشراق وجهي الكريم .
يعني : لمّا كانت الشمس مظهرا من مظاهر اسم نوري الذي هو عين وجهي وأثرا من آثاره ولمعة من لمعات أشعته وسبحات أنواره ، بحيث كان بموجب
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
( 27 ) [ الرّوم : الآية 27 ]
هامش
( 1 ) ورد بلفظ : « اللّهمّ إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب والحور بعد الكور ودعوة المظلوم وسوء المنظر في الأهل والمال » رواه النسائي في السنن الكبرى ، الاستعاذة من الحور بعد الكور ، حديث رقم ( 7935 ) [ 4 / 459 ] ؛ ورواه غيره .