تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
ووحّدت في الأسباب ، حتى فقدتها ، ورابطة التّوحيد أجدى وسيلة قوله : وحّدت ، أي : وحدت وشاهدت الوجود الواحد والذات المؤثر الساري في الأسباب وفي بطنها حتى فقدت كثرة الأسباب في شهود وحدة بطون الذات ، ورابطة شهود توحيد الذات من حيث ظاهره في سيري الأول المحبي وشهود فعله الوحداني وأمره الواحد المعنى بقوله :
كُنْ فَيَكُونُ
[ يس : الآية 82 ] كان أنفع وسيلة لي في شهود التوحيد في الأسباب . يعني : كان في مبتدأ سيري الذي تسبّبت بأداء جميع الأسماء بحر غير متناهي القعر والساحل ، واستخرجت من قعر كل بحر من تلك الأبحر كل درة يتيمة من العلوم والأذواق الذاتية الأصلية الكلية كتابا وسنّة وأخبارا وآثارا ، وعيّنت بعضها في حقائق الإشارات الدقيقة ، وبعضها في أطباق العبارات الرائقة الأنيقة ، وإنما غصت وخضت في بحار أحدية الجمع ليسري حكم جمعية تلك الأسماء التي هي الأبحر ، وأثر اشتمال كل واحد على الجميع في صورتي الإجمالية العنصرية ، وفي بصري وسمعي اللذين هما آلتان لاستخراج درر يتيمة من العلم الذاتي والعرفان الأصلي من حيث سابع أبطنها ، وهذه الدرر العرفانية هي العلّة الغائية في ظهور التجلّي الأول وتعيّن أبحر المفاتيح منه ، وتوسّع هذه الأبحر نزولا وعروجا ، وفي الغوص والخوض في لججها وغمراتها بموجب « كنت كنزا مخفيّا فأحببت أن أعرف » « 1 » ، فيشتمل كل واحد من بصري وسمعي ونحوهما على خواص الجميع ، وأعمل بكل واحد عمل الكلّ وأشاهد في كل ذرة من ذرّات صوري العنصرية آثار صنعي وفعلي ، فأدرك بسمعي المختصّ إدراكه بالأقوال في العادة أفعالي المخصوص إدراكها بالعين لاشتمال سمعي على بصري وغيره ، وكون سمعي بصيرة ، وأدرك بعيني الساري فيها خاصية السمع وغيره أقوالي المختصّ إدراكها في العادة ، وبالنسبة إلى غيري بالسمع والأذن لاشتمال كل قوّة وذرّة مني على الجميع بسراية حكم اشتمال الأسماء الذاتية فيها ، وانصباغها بصبغة ذلك الاشتمال والكلّية .
فإن ناح في الايك الهزار ، وغرّدت ، جوابا له ، الأطيار في كلّ دوحة وأطرب بالمزمار مصلحه على مناسبة الأوتار من يد قينة وغنّت من الأشعار ما رقّ فارتقت لسدرتها الأسرار في كلّ شدوة تنزّهت في آثار صنعي ، منزّها عن الشّرك ، بالأغيار جمعي وألفتي
هامش
( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .