بحيث لو انقطع ذلك المدد لاضمحلّ كون ذلك الحيوان ، وحيث كان الحيوان مركّبا كان من شرط وصول المدد إليه أن يكون مركبا مناسبا لكونه على مقتضى الحكمة البالغة ، فكان وصول ذلك الغذاء المركب معدّا لهذا الحيوان لقبول المدد المتعلّق به حياته وبقاؤه ، ولهذا تجد التخلّف بحيث يوجد البقاء والحياة من غير أكل غذاء معتاد ، وبالعكس وقد يحيى كثير من الأولياء بلا أكل وشرب معتاد في الظاهر حتى أنه كانت في زماننا امرأة في البطائح صحيحة الجسم كاملة القوة سليمة القوى جميعها من الأمراض بقيت أكثر من ثلاثين سنة بلا أكل وشرب ولا غذاء معتاد ، ورأينا كثيرا ممن رآها وتبرّك بدعائها وهمّتها من الخلائق على أن تخلف العلّة عن المعلول لا يجوز عقلا ، فكان أداء النوافل مزيلا موانع قيام صور الانحرافات عن نفسي ومعدّا لها لأن تقبل الفيض المستلزم لشهودي التوحيد ، والمؤثر والعلّة لم تكن إلّا الجود والعناية من الحقّ تبارك وتعالى ، ولهذا كثير من المجذوبين وصلوا إلى شهود التوحيد بلا أدائها بمحض العناية والمنّة التي هي المؤثرة من حيث القدرة الكاملة ، لا من حيث الحكمة البالغة ، وكثير من المجتهدين في السلوك لم يبلغوا درجة شهود التوحيد لعدم الاستعداد الذي هو حصول المانع وانتفاء الشرط ، وأصل مسألة هذه السببية في مبدأ الأمر الإيجادي أن سبب تعيّن الوجود وإضافته إنما كان اقتضاء الحقيقة الكونية باستعداده ، والعلة المؤثرة فيه أمر كن ، وعود ذلك الأمر كالصدى من حقيقة ذلك الممكن إلى حضرة الوجود بسبب صلابة العدمية في باطن الممكن ، فتعيّن الوجود نفسه بحسب الممكن ، فكان الوجود الظاهر هو المؤثر في نفسه ، فكانت صور الموجودات التي هي أحكام تلك الحقائق الممكنة وفروعها الظاهرة بالوجود الظاهر ، وفي مرآة وجدته بعضها ظاهرا بصور الأسباب ، وهي التي غلب عليها حكم الوجود ووصفه الذي هو الوجوب ، وبعضها ظاهرا بصور المسبّبات وهي ما غلب عليها حكم الإمكان ، فكما كانت تلك الممكنات في عالم المعاني باستعداداتها الكلّية الأصلية الباطنية أسباب التعيّنات الوجودية كما ذكرنا ، والفاعل المؤثر جمعية الذات والوجود بأمره الإيجادي ، فكذلك ظهر ههنا بعضها بوصف السببيّة ، وبعضها بوصف المسببية ، والفاعل المؤثر وجود الحق بجمعية أسمائه وتوجّهاتها وبأمره وحكمه ، فالكل منه وإليه .
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 268
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص٢٦٨