تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
وأمّا إذا كان مقتضى استعداد عبد غلبة كثرة أحكام المراتب على وحدة وجوده في تنزّله ومروره عليها ، فيحتاج العبد إلى إزالة تلك الأحكام بمديد رياضات ومجاهدات ومعاملات هي المعبّر عنها بالتقرّب بالنوافل فعلا وتركا في مقامي المجاهدة والتقوى بتحقيق التوبة والزهد والفقر بشرط كمال الإخلاص ؛ ففي كل مقام يزول عنه شيء من تلك الأحكام ، ويقرب من عين الميزان ، ولكن بشرط لزوم جميع شرائط الإخلاص في كل عمل بتخليصه عن شوب رغبة أو رهبة أخروية من نجاة ورفع درجات في الجنّة وتطلع إلى نعيمها في مقابلة ذلك العمل ، ثم تخليصه عن رؤيته إيّاه ، وذلك باستحضاره أن الأفعال كلّها للّه ولوجوده ، فلا يشهد نفسه إلّا محلّا لظهور فعل اللّه الوحداني فيها ، فيقرب بهذا الإخلاص ورؤية توحد الفعل في العمل من عين الميزان ولسانه ، ثم بلزوم التفويض والثقة والرّضا يقوى هذا القرب وتشتدّ دواعي الجدّ في الطلب ، وتلك الدواعي من أثر استقبال العناية والحبّ بموجب : « ومن أتاني يمشي أتيته هرولة » « 1 » ، فيزيل ذلك الأثر كل بقية أثر من النفس موجب لميل انحرافي ، فيعتدل ويظهر القلب الذي هو صورة عين الميزان ومحل ظهور عين وحدته وعدالته ، ويظهر فيه التجلّي المذكور بوحدته الحقيقية وما يلازمه من الأثر الحبّي ، ويزيل هذا الأثر الحبي كل أثر وحكم من النسب والإضافات الذي به كان يرى الأوصاف والآثار مثل السمع والبصر والكلام والأخذ والسعي والضبط وكل فعل من الأفعال مضافا إلى نفسه ، فبزوال ذلك يشاهد ويفهم حينئذ أن سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله الذي كان يسمع به ويبصر به وينطق به ويأخذ بها ويسعى بها لم يكن إلّا عين هذا الذي تجلّي له في قلبه وهو الوجود الوحداني الآن [ الدائم ] ، ولكن هو بسبب غلبة تلك الآثار والأحكام الحجابية المذكورة عليه كان محجوبا عن حقيقة النفس ، وكونها عين هذا التجلّي الوجودي الموصوف بالربوبية والمعبودية له ، فكان كشف الحجاب المذكور سببا لانكشاف جلية هذا الأمر ، وهذا معنى قوله : « ولا يزال العبد يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبّه ، فإذا أحببته كنت سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله » الحديث « 1 » ، فكان هذا الحديث مشيرا إلى توحيدي إشارة ظاهرة كظهور النور الشمسي في الظهيرة عند انتصاف النهار وقت الظهر ، ولكن بالنسبة إلى الأكمه الذي له قابلية الرؤية بنظر
هامش
( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 266 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني