التجلّي في تنزّله بصور تفصيل أحكام المراتب الحقية والخلقية وتلبّس بآثارها المتنوّعة المتكثّرة تعلّقت به من كل مرتبة خواصها وأوصافها من النسب والإضافات وجرته بعضها إلى آثار الانحرافات ، وأنتج فيه كل خاصية ووصف وأثر انحرافي وصف أمل وأمنية وهمية أو طلب لذّة وشهوة حسّية ، بحيث كاد أن يقلب هذه الأحكام والآثار المتكثّرة العارضة الطارئة عليه على حكم الوحدة الأصلية والجمعية الذاتية التي كانت منسوبة إليه ، وقربان الشجرة والهبوط من الجنّة صورة وأثر من أحكام تلك الغلبة ، لكن أثر الحبّ الأصلي اللازم لهذا التجلي والساري فيه في تنزّله وجميع تطوّرات ظهوراته تداركه باقتضاء نصب ميزان تامّ المساواة وكامل العدالة له ولكل ما يظهر منه من الأفعال والأقوال والحركات والسكنات ، وذلك الميزان إنما هو الشرع بظاهره وباطنه الذي لا ينحرف بملازمته عن سواء سبيل الوحدة والعدالة أحد ، وصار عين هذا الأثر الحبّي باطن لسان هذا الميزان ، ولسان هذا الميزان إنما هو عين الفرائض المأمور بها بموجب
وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ
[ القمر : الآية 50 ] ، فاللسان من الميزان هو عين وحدته ، والأمر الإلهي مطلقا تقتضي الفرضية إلّا أن يقوم دليل الندب والإباحة ، ثم سرى أثر من هذا الأثر الحبي في عمود الميزان وكفّتيه وظهر بصور النوافل الفعلية والتّركية المندوبة والمباحة المقرونة بالنية الصالحة التي هي أثر من آثار الأمر الوحداني حتى أن كل من كانت حقيقته ووجوده الذي هو أثر من هذا التجلّي الظاهر فيها واقعة في رتبة المحبوبية أولا بموجب قبل من قبل ، لا لعلّة ورد من رد لا لعلّة حتى كان من مقتضى قابليّته واستعداده أن يكون ما طرأ على وجوده في تنزّله في المراتب من أحكامها هي حجب ضعيفة شفافة لطيفة يظهر أثر الحب فيه بمجرد أداء الفرائض التي هي آثار المحبوبية والوحدة ، ويقربه إلى منبعها بعد إزالة الحجب عنه بلا سعي وكسب منه ويغلب حكم وحدته على أحكام كثرة نفسه ، ويظهر قلبه ويتجلّى فيه ربّه بظهور سابقة فأحببت فيه ، ويصير هو لسان الحقّ وترجمانه ؛ كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « فإن اللّه قال على لسان عبده : سمع اللّه لمن حمده » « 1 » ، وهذا تحقيق قوله : « ما تقرّب عبدي بشيء أحبّ إليّ من أداء ما افترضت » « 1 » ، فإنه كما أن ما في الميزان أقرب من الوحدة من عينه ولسانه ، فكذلك ليس شيء أقرب من وحدة المحبّ والمحبوب من أداء الفرائض بسراية وحدة الأمر الوحداني فيه .
هامش
( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .