تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
اعلم أنه لما كان الحب ميلا باطنيّا إلى كمال من الكمالات سرّه وحقيقته رابطة بين المحبّ والمحبوب ، ونسبة موحدة وجامعة بينهما ، وأثره أن يكون رافعة امتيازهما وبينهما ، فكل من ظهر هذا الميل أولا فيه بحيث أصبح يطلب الوصول إلى المطلوب بإزالة الامتياز عن نفسه ، فهو المحبّ ، وأصل هذا ظهور سرّ « فأحببت أن أعرف » « 1 » الذي كان المحب غيرا لحضرة الهوية والمحبوب ظهور كماله الذاتي والأسمائي ، ولن يصلح أن تكون لقبول هذا الظهور المحبوب منصّة شاملة المضاهاة ومجلاة كاملة المؤاتاة إلّا الحقيقة الإنسانية صورة ومعنى لكمال جمعيّتها ، وتمام قابليّتها واشتمالها على جميع الحقائق والخواصّ المختصّة بالفاعلية والمنسوبة إليها القابلية ، وعلى جميع المراتب الحقية والخلقية وتتميمها دائرة الأزلية والأبدية والأولية والآخرية والظاهرية والباطنية ، وقصور ما سواها عن شأو ما ذكرنا من الجمعية والاشتمال ، وإليه الإشارة في بعض غرائب الأخبار لما خوطب به نبيّنا المختار صلى اللّه عليه وسلم بقوله : « لولاك لما خلقت الأفلاك » « 2 » ، ولما ظهر بحكم هذا الحب تجلّ وجودي ذاتي من حضرة الغيب مجملا أولا في باطن الحقيقة الإنسانية ، وهو البرزخ الأول الأكبر ، ثم ظهر في ظاهرها الذي هو البرزخ الثاني مفصّلا ، ثم في صور تفاصيل هذين البرزخين التي هي صور حقائق العالم معنى وروحا ومثالا وحسّا إلى أن ظهر في صورة عنصرية إنسانية هي مظهر تامّ المضاهاة لظاهر ذلك البرزخ الثاني والأول ، وباطنه كان هذا الحب لازما لهذا التجلّي الوجودي في تنزّله وظهوره في جميع هذه المراتب وتصوّره بجميع أحكامها وكامنا فيه ومصاحبا له . وحيث كان هذا التجلّي في الأصل وحدانيّا ، بل عين الوحدة ومنبعها لا يصلح أن يظهر إلّا في محل ومجلى وحداني في جميع هذه المراتب ، أوليس في عالم التركيب ومراتب المركبات أثر ظاهر من عين الوحدة إلّا العدالة والجمعية التي هي أثر من البرزخية الأولى والثانية سار في جميع المراتب ، فلم يظهر هذا التجلّي في كل مرتبة إلّا في ذلك الأثر من البرزخية المذكورة ، فكانت مراتب الاعتدالات الجمادية والنباتية والحيوانية هي صور تلك الآثار من البرزخية ، واعتدال المزاج الإنساني صورة غير تلك البرزخية ، وميزان تلك الآثار منها ، ولما تصور هذا
هامش
( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه . ( 2 ) أورده الهروي في المصنوع [ 1 / 254 ] .