تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
من كان فهمه وإدراكه مقصورا على هذه المراتب وأحكامها أن عين الوجود متنوّع ومتكثّر من حيث ذاته لما يشاهد جميع ما يدركه متنوّعا متكثّرا من جهة الصفات والأغراض . نعم هو ظاهر متنوّع متكثّر لكن من حيث هذه الصفات والأحوال والمراتب وبحسبها ، لا من حيث عينه وذاته ، إلّا أن كل ما تدركه الخلائق من الموجودات له علم فطري بأن الوجود المضاف إليه حاصل له من الوجود الواحد الحقّ ، وله لسان حال فطري يسبّح ويقدس بحمده الذي هو الوجود المضاف إلى ذلك الشيء وينزّه به أصله وموجده الذي هو الوجود المفيض الجواد عن التكثير والتغيّر والتنوّع ، وعن مشاركة شيء معه في عين وجوده الذاتي ؛ فلهذا قال : إن كنت من أهل العلم والوعي ، فافهم واسمع ، فإن ألسنة أحوال جميع الخلائق بوجودهم الظاهر بصور أحوالهم الذي هو حمد الحق نفسه فيهم بظهور كمالاته بهم من حيث ألسنتهم وأبصارهم وأسماعهم وبدائع علومهم وصنائعهم ، وبأن جميع ما يظهر فيهم من هذه الصفات أثر صفاته ، بل عينها الظاهرة فيهم ، فهذه كلّها تشهد بالفطرة السليمة بتوحيد عين وجودي بواسطة تسبيحهم وتنزيههم إياي عن التقيّد بقيد معين ، والانحصار في وصف وحال وحكم ومرتبة وإضافة وبحمدي بالجمعية دائما بين التعين والإطلاق والقيد والانطلاق ، وبأني عين كل شيء لشمول رحمتي ، وليس شيء بعيني لعدم انحصاري وتقيّدي في شيء وبأثر وحكم ، وهذا البيت هو بعينه يترجم بلسان الجمع عن قوله تعالى :
سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
( 1 ) [ الحديد : الآية 1 ] ، أي ما وجد فيما علا من العالم وما سفل منه مسبّح للّه الذي لا عزّة ذاتية بحيث يمتنع كنهه عن الإدراك ، ولا حكمة فيما يبدي بحيث يعطي كل شيء خلقه مما ينبغي له ويحتاج إليه من آلة جذب المنفعة ودفع المضرّة ، ثم هداه إلى استعمال ذلك بالفطرة التي فطرة عليها الإله ، فسبحانه أن يكون لغيره هذه العزّة والحكمة ، له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير ، أي كل تصرّف وتأثير يبدو مضافا إلى ما علا من العالم وما سفل نحو تأثيرات تبدو في الظاهر مضافة إلى الأسباب العلويّة والسفلية ، وكل إحياء وإماتة مضافة إلى شيء منها جميع ذلك تصرّفه وملكه ، وليس ذلك إلّا له ولا يضاف ذلك إلّا إلى وجوده الواحد الذي كل شيء موجود أو معدوم هو داخل تحت قدرته ، إن شاء أعدم موجودا ، وإن شاء أوجد معدوما ، وإن شاء يفعل ذلك بواسطة على مقتضى حكمته ، وإن شاء فعل بمحض قدرته ، فسبحانه أن يكون
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 262 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني