تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
الحكمة البالغة إسبال تلك الحجب على الدوام وإمداد الخلائق من ورائها بما يقتضي إحكام مدد أدوارها من أفعالها وآثارها ليبقي الموجودات المدركة ببصره ولا يحترق ، فيفنى العالم بالكلّية ، هذا على تقدير رجوع ضمير بصره إلى الحقّ ، ومن في قوله : من خلقه للتبعيض ، وأما على تقدير عود الضمير إلى الخلق ، ومن فيه للتبيين ، فمعناه : أن كل سالك ينطلق عن قيد أنانيته المحدثة ، ويتخلّص من قيد المراتب الخلقية ويؤهل لحصول تجلّ من تجلّيات النور الوجهي المطلق لو انكشفت هذه الحجب السبعين المذكورة عما بينه وبين النور الوجهي لأحرقت أشعة وحدة هذا التجلّي الوجهي كل كثرة نسبة وإضافة كان يدرك بصر هذا السالك قبل هذا التجلّي ، بحيث لم يقع نظره إلّا على وجه كل شيء ، وهو الوجود الواحد ، فكان شاهدا ببصره الظاهر أن كل شيء هالك إلّا وجهه الذي هو الوجود المواجه كل شيء ، وأن الحكم والتأثير في كل شيء ليس إلّا له وإليه يرجع كل شيء ، ولا حول ولا قوّة إلّا له وبه ، فعلى التقدير الأول لا يرتفع الحجب أصلا ، وعلى الثاني ترتفع عن نظر السالك المشاهد حال شهوده التجلّي الظاهري ، فاعلم ذلك .
وألسنة الأكوان ، إن كنت واعيا ، شهود بتوحيدي ، بحال فصيحة اعلم أن الوجود الذي هو عين الذات والنور واحد لا شريك له في حقيقته التي هي عين به وجد أن كل شيء عينه وغيره ولا تميّز ، ولا تنوّع ، ولا تكثّر ، ولا تغيّر ، ولا غيرية فيه من حيث عينه أصلا . نعم اللّهمّ إلّا بأن تنسب إليه نسبة وأضيفت إليه صفة نحو الأولية والآخرية ، والظهور والبطون ، ومثل إضافة صفة الحياة والعلم والإرادة والكلام والسمع والبصر والقدرة والقدم والحدوث والحقية والخلقية والبساطة والتركيب واللطافة والكثافة وقبول التجزئة والتبعيض وعدم قبول ذلك والروحية والجسمية والنماء والذبول والقبض والبسط والفرح والتّرح والرضا والغضب ونحو ذلك إلى عينه ، وحينئذ يظهر أثر التميّز والتكثّر والتغيّر والتنوّع فيه ، وذلك بحكم هذه النسب وإضافة هذه الصفات والأحوال والأغراض المتميّزة المتكثّرة المتنوّعة المتغيّرة المتحوّلة في أنفسها إليه ، لا من جهة عينه الواحد في ذاته ، فكانت هذه النسب والصفات والإضافات والأحوال والأعراض ظاهرة بتميّزاتها وتكثّراتها وتغيّراتها وتنوّعاتها الذاتية لإبصار الخلائق وبصائرهم في جميع المراتب الخلقية والحقية أيضا ، وعين نور الوجود الواحد باطن من ورائها ، فيظن