ولولا احتجابي بالصفات ، لأحرقت مظاهر ذاتي ، من سناء سجيّتي
السناء : الضوء الساطع ، والسبحة : اسم لما يسبح به ، كالبلغة لما يتبلغ به من القوّة ، ومنه سمّيت السبحة التي تسبح بها ، أي تعد بها التسبيحات ، فاستعير بها عن أشعة النور الوجهي ، وقوة سطوعها التي تسبح الوجه كل من ظهرت عليه وينزهه عن نقصان امتزاج نوره بشيء من أثر الظلمة ، ويقدسه أيضا عن التمكّن من إدراك نور حقيقته وكنهه لكون هذا الأثر منه يكاد يذهب بالأبصار ، وقوله : من سنا سجيّتي ، يعني : من ضوء كوني ظاهرا بصورة الشعاع فضلا عن ظهوري بحقيقة كوني نورا ؛ كما روت عائشة : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال حين سألته عن رؤية ربّه :
« نورا أنّى أراه » « 1 » ، وكان ذلك بحسب فهمها وقابليتها .
واعلم أنه ضمن في هذا البيت معنى قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن للّه سبعين حجابا من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه » « 2 » مقدّرا ذلك بلسان الجمع والتوحيد ، وتحقيق ذلك إنما يتهيّأ بتقديم مقدمات ثلاث :
المقدمة الأولى : أن النور الوجودي المطلق الرحمني يسمّى وجها باعتبارين :
باعتبار مواجهته جميع الحقائق الكونية ، وباعتبار مواجهة كل حقيقة غيرها بأثر وشعاع مضاف إليها منه ، فإنه مرآة ومجلى يتراءى لكل حقيقة نفسها وغيرها من ورائه ، فكان هو المواجهة لكل شيء .
المقدمة الثانية : أن الإيجاد والإبقاء الذي هو عين الإيجاد أيضا باعتبار الخلق الجديد متوقّف على هذه الأئمّة السبع من الأسماء المتعيّنة من الصفات السبع الثابتة في البرزخية الثانية ، من جهة اشتمال كل اسم منها على جميع هذه الصفات السبع بحكم إجمال هذه البرزخية ، فإن صنعة الإيجاد تحتاج إلى شعور كلّي بالأبدية ما يتعلق به صنعة الإيجاد وإحساس جملي باشتماله على الكمال وتدبير ذلك ، وهذه
هامش
( 1 ) رواه أحمد في المسند ، عن عبد اللّه بن شقيق ، حديث رقم ( 21351 ) [ 5 / 147 ] ؛ والبزار في مسنده عن عبد اللّه بن شقيق برقم ( 3905 ) [ 9 / 346 ] ؛ ورواه غيرهما .
( 2 ) لم أجده بلفظه فيما لديّ من مصادر ومراجع ولكن روي بألفاظ أخرى متقاربة منها : عن أنس بن مالك عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « سألت جبريل عليه السلام ، هل ترى ربّك ؟ قال :
إن بيني وبينه سبعين حجابا من نور لو رأيت أدناها لاحترقت » . رواه الطبراني في المعجم الأوسط ، من اسمه محمد ، حديث رقم ( 6407 ) [ 6 / 278 ] .