تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
الذي ذكرت هو ما تقتضي المباينة بيني وبينك ويستدعي أن يغائر وينافر كوني كونك أن ارتفع هذا الموصوف الذي هو ما به المباينة والمغايرة عما بيننا جمع حكم مرتبة التوحيد ومقام الجمع بيننا ، ويحقّ حينئذ أن يقول كل واحد منّا : هذا فراق بيني وبينك حيث صار عيني عين عينك ، وإلّا وقع على ظاهر مفهومك الفراق وقطع الصحبة والتلاق ، وإن استخبرت عن تأويل ما أنكرته من الأمور ، فاسمع فقد سقطت على خبير . أما السفينة ، فكانت لمساكين القوى والأعضاء واقعة في بحر إمكان بعيد الغور والانتهاء يعملون بها أعمالا معتدلة إيمانية توصلهم إلى ساحل النجاة بأرباح استحقاق الدرجات الجنانية ، وكان الملك الغاصب الذي هو العجب متطلّعا إليها ومسلّطا بحكم الهوى عليها ، فأردت أن أطلعه على شيء من عيبها لينقطع تطلّعه إلى غصبها . وأمّا الغلام ، فكان أبواه المسلمين المؤمنين بحكم إقرارهما بالطاعة وقولهما :
أَتَيْنا طائِعِينَ
[ فصّلت : الآية 11 ] ، وكان هو قد طبع كافرا مثبتا لنفسه أنانية حقيقية في مقابلة الأنية الحقية ، فأردنا أن نبدلهما بولد قلب نقي وابن فؤاد سليم نقي مرضي . وأما الجدار ، فكان ملكا ليتمى نفس نباتية ونفس حيوانية أبوهما النفس الملهمة الإنسانية التي أعرضت عن بدنيتهما واشتغلت بمهام تقوية نفسها عن تدبيرهما وتقويتهما وكنوز الكمال الدنيوي والبرزخي والجناني مدفون تحت جدار المزاج الإنساني ، فاقتضى باطن الإرادة الأصلية التي أوّل متعلقة الكمال الذاتي والأسمائي وبروزهما أن تبلغ كلا اليتيمين أشدّهما ، ويبيّن لهما بملازمة الأعمال والأقوال والأحوال الصالحة كنوزهما ، وكان ذلك من شمول الرحمة الكاملة البالغة ، وشيوع النعمة الشاملة السابغة ، فهذا إيضاح ما كان مهمّا لديك ، وإفصاح ما كان مشكلا عليك ، وما صبرت حتى يأتي صحته لمجرد الصحبة إليك . يقول : ولما أطلقت نفسي عن قيود حجب المراتب الخلقية ، وبرزت من خلف ستارة الصورة وأحكامها الحسّية ، وبدت أنوار الشهود وتنوّرت بها أشعة ما يضاف إلى الوجود ، بل إلى كل موجود توجّهت نفسي من حيث ظاهرها التي هي في العالم الصغير الإنساني مثال صورة موسى عليه الصلاة والسلام ، الذي كان في
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 255 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني