تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
من عمل نفله وفرضه ، ثم قام موسى ظاهر النفس على قدم رعاية الأدب برؤية نفسه تلميذا أو عبدا ، وقال لخضر الروح :
قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً
( 66 ) [ الكهف : الآية 66 ] . راعى ستّة آداب ليكون في التعلم أديبا ، ومن التمتّع بعلمه وحلمه قريبا : أولها : الخطاب بصيغة الاستفهام لا بصيغة الجزم في الكلام ، وثانيها : طلب المتابعة لا المصاحبة والمشايعة ، وثالثها : طلب كونه متعلّما مأمورا لا متكلّما بفضيلة نفسه مغرورا ، ورابعها : طلب قليل من كثير ما علمه المعلم مستقلّا فهمه وإدراكه واستعداده في إدراك كل ما يبديه شيخه المتكلّم ، وخامسها : نسبة علم الشيخ إلى الوحي والإلهام وتنزيهه عن المجازفة والخوض من تلقاء نفسه في الكلام ، وسادسها : طلب ما يراه المعلم لذلك قابلا لا ما يرى هو نفسه إليه مائلا ، فأذاقه خضر الروح في مقابلة شهد هذا الخطاب علقما وصبرا بجواب :
قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ( 67 ) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً
( 68 ) [ الكهف : الآيتان 67 ، 68 ] ، فإني على علم علّمنيه ربّي لا تعلمه أنت متعلق بباطن كل شيء وسرّه في عالم القدرة ورفع الوسائط والأسباب ، وأنت على علم علّمكه ربك لا أعلمه أنا متعلق بظاهر كل شيء وصورته في عالم الحكمة بثبوت الوسائط والأسباب والأرباب لا حظّ لي فيه ولا أرغب في تعاطيه ، فاقتصر على ما خصّصت به ولا يتعد عن طورك ، وكل إلى ربك كلّ أمرك ، فإن الصبر على ما يخالف العلم والحال والمقام في غاية التعسّر والثبات على ما ينافي الخبرة من المطلب والمرام في نهاية التعذّر . فقال موسى : ظاهر النفس أني حيث وقعت من صحبتك في ظلّ سدرة التمكين وكرعت بك شربة من عين حقّ اليقين عسى أن أجد في نفسي وتجد مني إن شاء اللّه صبرا ولا أعصي لك أمرا ، فانطلقا سالكين سبيل ساحل مجمع البحرين ، ودخلا أولا شاطىء بحر الإمكان الذي هو باطن الروح وظاهر النفس ، فبانت لهما سفينة أخلاق وآداب منسوبة إلى ظاهر الإيمان وعالم الحسّ مملوءة من أمتعة الأعمال الصالحة والمعاملات اللائقة ومشحونة بالأحوال الصحيحة المطابقة متوجّهة إلى ساحل النجاة ورفع الدرجات ، فقام خضر الروح إلى لوحة من ألواح السفينة ، فخرقها بطعنة نسبة نقص إليها أو عيب وشائبة رياء فيها أو ريب ، وأمسى أهل ذلك الفلك في معرض الغرق والهلك .