تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
ومعرفة بالوسائط والأسباب الذي هو قوتهما ، وسبب قوتهما في زنبيل الاعتقاد والفهم والاستعداد كان عند بلوغهما مجمع تفرقة ظاهرهما الذي أوّل مراتب مقام التمكين ومحل استقرار حقّ اليقين وصل أثر قطرة من عين حياة حقّ اليقين إليهما انحلّ في الحال عقدة زنبيل اعتقادهما واستعدادهما المقيّدة بالعلل والأسباب ، وترقّى استعدادهما من التقيّد بعالم الحكمة إلى عالم القدرة من غير إحساسهما بذلك ، فاتّخذ حوت علمهما المقيّد بالأسباب في بحر الانطلاق عن التقيّد بها طريقا يسلك فيه وهما لا يفهمان ، وأخفى بقية ميل من يوشع العقل المميز وأثر انحراف منه إلى ما كان بألفة من أحكام الظاهر عليه أن يطلب خبر الحوت ويعلم انفصاله عن زنبيله . ولمّا انفصلا عن ذلك المقام وشرعا في سلوك وادي الباطن ، وذلك الوادي غير ملائم لحالهما أصابهما التعب والنصب لذلك ، فطلب موسى ظاهر النفس من يوشع العقل المميز خبر الحوت - أعني علم سبب النصب والتعب - فذكر يوشع العقل المميز غلبة أثر انحراف ميله إلى ما اعتاده وعدم تطلّبه عن خبر حوت العلم بالأسباب ، فقال :
قالَ أَ رَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً
( 63 ) [ الكهف : الآية 63 ] ، فإن الميل والانحراف من آثار الشيطان . ولمّا عاينا من ذلك الوادي أثر تعب ومشقّة وحيرة لعدم دليل وحيرة به وبغايته ارتدّا على آثارهما قصصا ورجعا إلى مجمع فرقهما بعد أن تجرّعا من نصبهما غصصا طالبين دليلا إلى مقصدهما خبيرا عليما بخفيّات طرقه بصيرا ، فوجدا عبدا هنالك عالما بحقيقة ما طلباه من الطرق والمسالك ، مرتديا برداء الدراية مختفيا تحت كساء الهداية والكفاية ، وهو خضر الروح المجرّد الذي هو بأيدي الفتوح مؤيّد ، فاجتمع ليوشع العقل به فرقه وانقطع فيه أثره وارتتق فتقه ، فناداه موسى ظاهر النفس بالتسليم منزّها إياه عن كل وصف ذميم ، فكلّمه خضر الروح المجرّد في معرض الإجابة بلا احتشام . وقال : إني بأرضكم السلام ، يعني أنت وجزئياتك المقيّدون بالعلل والأسباب وبالتفرقة في الأثر والعين وفهم السلامة من العيب والنقص ، من أين إلى أين ينبغي أن يتكلّم كل واحد بما يناسب حاله ويوافق مقامه ووصفه وينبئ عمله ، وهذا الكلام كان مبدأ خرق سفينة عرضه ليسلم من شرّ الإعجاب بنفسه ، ولما هيّأ لكماله
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 252 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني