وحيث كان موسى ظاهر النفس يرى رابطة الوصول إلى النجاح والنجاة ، وواسطة حصول أرباح الدرجات هذه الأخلاق والآداب والأعمال والأكساب خاف الحرمان والغرق في بحر النقص والإمكان ، وامتلأ غيظا ونكرا ، وقال :
لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً
[ الكهف : الآية 71 ] ، فقرعه خضر الروح بمقرعة التنبيه والملامة ، فتنصّل واعتذر بالنسيان والتزم الغرامة ، ثم أقبلا على السير متوجّهين إلى الخير ، فلقيا غلام النفس الأمّارة بالسوء المجبول على الكفران والمطبوع على الطغيان المستور على ظاهر النفس وصف كفره وطغيانه والمغمور عنده فيه نعت عصيانه عند شدّة توجّه موسى ظاهر النفس إلى كليته وإطلاقه حال غلبة قوّة شوقه واشتياقه بحيث حسب الغلام عن وصف انحرافه زكيا ونعت مذام أوصافه نقيا ، فوقع نظر خضر الروح على ما انطوى باطنه من انطباع الكفر والعناد ، فقتله دفعا للشرّ ورفعا للفساد ، فرجع موسى ظاهر النفس على إنكاره بناء على ما ظنّ من زوال استكباره ، وكان قد خفي عليه ما ناله من خلافه لن تراني بسبب طغيان الغلام وحمله إيّاه على التطلّع إلى ما ليس له من الأماني ، واحتياجه إلى التوبة من ذلك ، وافتقاره للتنصّل والاستغفار هنالك ، فعاد خضر الروح إلى التقريع على نقض العهد الذي هو الخلق الوضيع فامتلأ موسى ظاهر النفس حياء ، والتزم ترك الصحبة إن عاود اعتراضا ومراء ، ثم اجتازا في سيرهما على قرية الصورة العنصرية المنقطع عنها منذ مدد مدرار التدبير والتربية والترتيب بسبب اشتغال ظاهر النفس عنها بالتوجّه على الرياضة والتهذيب واستيلاء الضعف والشدّة على أهليها ، وتطرّق الإهمال في اكتساب قوة النظر والاعتبار على جميع من فيها ، فاستطعماهم طعمة علم ومعرفة عقلية أو نقليّة مختصّة بهم بحسب ذلك المقام ، فأبوا عن ضيافتهما بعذر انتهاء ذخائرهم منذ زمن وأيام ، فوقع نظر خضر الروح على ضعفهم وراء جدار المزاج بصدد الخراب ، فأقامه بيد القدرة دون الحكمة حتى استوى بلا نقص وثلمة .
وحيث كان موسى ظاهر النفس متأذّيا من منع رزقهم حمله الغيظ على نسيان العهد والاعتراض على الإحسان في حقّهم ، فقال خضر الروح المجرد لموسى ظاهر النفس : حيث لم تقدر على الصبر على توجيه العلم الذي أحد وجهيه نحو العمارة إلّا بما فيه حظوظك وأمانيك ولا على ما تقتضيه المعرفة والفقر اللذان وجوههما نحو الخراب إلّا فيما يتعلق بالهوى الكامن فيك ، وأنا بمعزل عن كل حظ ونصيب متحقّق بالفقر وانقطاع النسب والنسبة ، فما لي قريب ولا نسيب ، فهذا