يقول : فلمّا رفعت ستر الصورة والتقيّد بها وبأحكام مرتبة الحس بيد العناية والسير والسلوك المحقّق مثل رفع صاحب الخيال ستارته بحيث ظهرت لي حقيقة نفسي وسرّها من غير بقية حالة حجابية بيني وبين إدراكي حقيقتها وسرّها وأوصافها وخواصّها وطلعت شمس شهود الذات نفسها في قلبي التقيّ عن إحكام الانحرافات ، النقيّ عن جميع قيود الصفات ، فأشرق وجودي المتعيّن الظاهر بأنوار شهودي الباطن ، وحلّت بيد أحكام إطلاق نور الشهود جميع عقد قيود التعيّنات والنسب والإضافات الطارئة عليّ ، والنازلة بي وبوجودي ، وغلب حكم باطني على ظاهري ، وتسلّطت روحي على نفسي التي هي ظاهرها ، حينئذ ظهر لي في عالمي الصغير قتلي غلام النفس الأمّارة بالسوء المجبولة والمطبوعة على الكفران والطغيان بسبب الحياة المتعلقة باللذّات ، وأحكام العادات عنها بين إقامتي بيد القدرة جدار المزاج والصورة العنصرية المائلة إلى الخراب بسبب مزاولة الرياضات والمجاهدات لأجل صيانة كنز الكمال المضاف إلى يتمي نفس حيوانية ونفس نباتيّة ، وبين خرقي سفينة الأعمال الصالحة بطعنة إظهار عيب ونقص فيها من فوت شريطة إخلاص أو إضافة شائبة رؤية وتطلّع منها إليها لئلّا يغصبها الملك الظالم الغاصب الذي هو العجب المحيط للأعمال على نحو ما ظهر ذلك في العالم الكبير من يد الخضر الظاهر بأحكام الروح المجرّد بغلبة أوصافها وخواصّها عليه من البطون والتجرّد والكون في عالم القدرة ، ونفي الأسباب والوسائط وطلب موسى صحبته حال غلبة أوصاف ظاهر النفس وخواصها من التقيّد بالتعلّق التدبيري بعالم الحكمة وإثبات الأسباب والوسائط على موسى ليتحقّق بأحكام الباطن وخواصّه ، كما تحقق بأحكام الظاهر وخواصّه ، فإن مبنى تحقّقه بمرتبة الكمال على ذلك ، فكانت حالتئذ نسبة موسى إلى ظاهر النفس أتمّ ، كما كان نسبة الخضر إلى الروح المجرد أكمل ، فكانت قصتهما قصة نفس وروح وسير النفس للتحقّق بأحكام الروح .
وذكر الخضر هو ذكر الروح ، وذكر موسى هو بعينه ذكر ظاهر النفس في العالم الصغير ، وإذا علم هذا فاعلم أنه يقول : ولمّا كان موسى ظاهر النفس الذي هو شعاع كلّي مطلق من حقيقة الروح الأعظم المتعيّن ذلك الشعاع الكلّي لتدبير مزاج كامل قام مع يوشع عقل مميّز هو من فتيانه وتوجّها نحو بحر الباطن ومجمع البحرين ، أي حضرة جمع الجمع ، وقد حمل يوشع العقل المميز قوت حوت علم
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 251
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص٢٥١