تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
كذا كنت ، ما بيني وبيني ، مسهلا ، حجاب التباس النّفس ، في نور ظلمة لأظهر بالتدريج ، للحسّ مؤنسا لها ، في ابتداعي ، دفعة بعد دفعة الابتداع والإبداع : إنشاء صنعة على غير مثال موجود وبلا احتذاء واقتداء بشيء غيره من خارج ، وأنسته : أبصرته ، وآنست له : أي حصلت له أنسا ، وما في قوله : ما بيني زائدة ، ومسهلا خبر كنت ، ومؤنسا حال من فاعل لأظهر ، والضمير في لها راجع إلى النفس ، والمصدر في ابتداعي مضاف إلى الفاعل . يقول بلسان الجمع : كذا كنت مسبلا بين كليتي وبين جزئيتي حجاب لبس النفس بالصور المثالية والحسّية وبأحكام من مرتبة المثال والحسّ في نور وجود مضاف إلى ظلمة أحكام الممكنات ، وإنما أسبلت هذا الحجاب لأجل أن أظهر بالتدريج بتلك الصور مرة بعد مرة في حال إيناسي بكلية نفسي عند ابتداعي هذه الصور الملكية والفلكية والعلوّية والسفليّة ، فإن جهة كلية نفسي لو لم تكن مستأنسة بهذه الجزئيات والماديات والمركبات في ظهورها بالتدريج بها لكانت قاصرة عن تدبير مزاجي بجهة كليّتها لعدم أنستها وانتفاء مناسبتها . مزيد توضيح : اعلم أنه لما كان المقصد الأول من الإبداع والإيجاد تحقيق كمال الظهور ، وتكميل تمام المعرفة بموجب « فأحببت أن أعرف » ، والركن المحكم في حصول ذلك المقصد والواسطة العظمى في تحقيق ذلك المطلب إنما كان القلم الأعلى واللّوح المحفوظ الملقبان عند بعض الناس بالعقل الأول والنفس الكلّية ، وكان المجلى الحقيقي والمظهر الحامل لحقيقة أمانة ذلك الظهور والمعرفة الكاملة لم تكن إلّا الصور العنصرية الكمالية الإنسانية بحكم :
وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ
[ الأحزاب : الآية 72 ] ولكن بواسطة القلم واللّوح ووصف تدبيرهما وإدراكهما ، وكان إدراك القلم واللوح بحكم غلبة حكم الكلية والتجرّد عن المواد والتركيبات عليهما مختصّا بالكلّيات المجرّدة عن المواد والتركيبات على موجب أصل لا يدرك الشيء بغيره من حيث ما يغايره ، فلو ابتدى بإيجاد الإنسان الكامل والأكمل ، يعني آدم ومحمد صلى اللّه عليه وسلم ، الذي عينت لتدبير مزاجهما الأعدل جهة كلية ظهور اللّوح المحفوظ أو القلم لكان ما تعيّن لتدبير صورتهما ومزاجهما قاصرا عن التدبير ، كما ينبغي لعدم الأنسة بالجزئيات وانتفاء المناسبة بينه وبين الماديات والمركبات كان لهذا السرّ الكبير من مقتضى الحكمة البالغة والمعرفة الكاملة السابغة نصب ستارة مرتبتي