تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
نفوسهم لم يظهروا غالبا إلّا في صور موحشة خسيسة ، ولما أهبط بحكم خطاب
اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً
[ البقرة : الآية 38 ] شاركوا الإنس في النزول إلى عالم الدنيا ، وكان مقتضى نشأتهم البطون صورة ومعنى نقلوا من ملكوت السماوات إلى ملكوت الأرض ، فكان منزلهم ومقامهم في الدنيا غيبا وبطونا أدنى من بطون البرزخ وغيبه ، حتى أن حال البرزخ وأهله تخفى عنهم ؛ كما ورد في الحديث من قول الجنازة : « قدموني في الصالح وفي غير الصالح ، يا ويلها أين تذهبون بها يسمع صوتها كل شيء إلا الثقلين » « 1 » . وحيث كان مقامهم ومنزلهم باطن مقامنا ومنزلنا كنا لديهم ظاهرين وهم عنّا غائبين ، وبحيث يرونا ولا نراهم ، ومع ظهورنا لديهم وبطونهم عندنا لم يقدروا على التعرّض لنا إلا بإذن مالك الأعيان كلها . فالحاصل أن صورهم تباين أنس صور الإنس وحسنهم وروحهم وبهجتهم وراحتهم لنقص في نشأتهم وقابليّتهم ونفوسهم مجرّدة عن مثل صورنا وصور كل من كان أصل نشأته من الماء والتراب ، ومهما أرادوا أن يظهروا في صورة من مثل مادة الماء والتراب لنا لم يحل تلك الصورة من وحشة بالنسبة إلى إدراكنا لعدم المناسبة بيننا ، فلهذا راعى الناظم رحمه اللّه هذه المعاني ، وقال : تلحظ مما يريكه صاحب الستارة من الصور أشباحا ، أي صورا ظهرت بأنفس مجرّدة عن جنس صور الإنس حالة في محل أرض مختصّة بها ، مستجنّة أي : مستورة بالنسبة إلى أرضنا وصور تلبّست أنفسهم بها من بين صور أخرى من صور صاحب الستارة تباين أنس الإنس لوحشتها بحكم خلقتها ونشأتها حال كون الجنّ غير أنيسة للإنس لعدم النسبة وبعد المناسبة وهذا مثال من غلب عليه قوة وهمه بحيث يتخوّف ويتخايل له في تلك الحالة صورا موحشة مخوفة ما لها في الخارج وجود بل ينشؤها وهمه ، فإذا زال الوهم وسبب غلبته بان له أن فاعل ذلك وهمه لا غيره ،
هامش
( 1 ) رواه البخاري في صحيحه في أبواب عدّة منها : باب حمل الرجال الجنازة دون النساء ، حديث رقم ( 1251 ) [ 1 / 442 ] ؛ ورواه ابن حبان في صحيحه ، فصل في حمل الجنازة وقولها ، حديث رقم ( 3038 ) [ 7 / 311 ] ، ولفظ البخاري هو : عن سعيد المقبري عن أبيه أنه سمع أبا سعيد الخدري رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم فإن كان صالحة قالت : قدّموني ، وإن كانت غير صالحة قالت : يا ويلها أين يذهبون بها يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعه صعق .