وسمر القنا : هي الرماح القوية البالغة ؛ لأنه إذا بلغ قصب القنا غايته يضرب لونه إلى السمرة ، ومهما لم يستو يضرب لونه إلى البياض والصفرة ، والعسالة : القوية المضطربة ، والسمهرية : الصلبة ، وسمّى البحر ههنا نارا باعتبار ما يؤول إليه ؛ لقوله تعالى :
وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ
( 6 ) [ التّكوير : الآية 6 ] ، وقول عمر رضي اللّه عنه : « يا بحر متى تعود نارا » ، والرشق : الرمي بالسهم ، وهي مصدر بمعنى مفعول ونصب على الحال ، يعني : ترى بعضهم مغرقا في البحر التي تعود نارا حال كونه مرميّا بأسهم ، وبعضهم محرقا في الماء حال كونه مضروبا بالذراقة التي هي ظرف فيه نفظ ونار يرمى به نحو العدوّ بسهم أو بيد أو بمنجنيق ، والمصدر منها زرق ، وهو ههنا بمعنى مفعول .
يقول : ترى بعض الأجناد ضاربا بالسيف على غفلة من عدوّه وقاتلا له فتكا ، وبعضهم طاعنا بالرماح القوية البالغة حدّ قوّتها المضطربة الصلبة ، وهم أصحاب البرّ البررة المسلمون ، وترى بعض شجعان الفرنج الكفرة من البحرية مغرقا في النار بموجب
مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً
( 25 ) [ نوح : الآية 25 ] ، أو باعتبار ما يؤول البحر وماؤه يوم القيامة مرشوقا ومرميّا باسمهم أجناد المسلمين ، وبعضهم تراه محرقا مضروبا بالزراقة بشعلة نار مقتولا في الماء ، وفاعل هذا الضرب والطعن والإغراق والإحراق ليس إلّا نفس صاحب الخيال بفعله الوجداني ، ولكن يخال الرائي تلك الأفعال مضافة إلى تلك الصور ، وعند ارتفاع الستارة تظهر وحدة الفعل والفاعل ، وكذا عند ارتفاع ستار الصور العنصرية وحكم مرتبة الحس تلقى جميع صور الموجودات والأفعال الظاهرة منها مضافة إلى الفاعل الواجد أعاننا اللّه على رفعها والتمييز بين باطلها وحقّها آمين رب العالمين .
فهذان الجيشان مثال جيش العقل في بر الشريعة ، وجيش الهوى في بحر الطبيعة والفكر والعدل ، وجميع الأخلاق الحميدة أجناد العقل والشهوة والغضب والكبر والحرص والحسد ، وجميع الذمائم أكناد الهوى ، والسيار يزعم أن غلبته على الهوى من فعله ، وعند الكشف شهد خلاف ما يزعم .
ترى ذا مغيّرا ، باذلا نفسه ، وذا يولّي كسيرا ، تحت ذلّ الهزيمة
ترى جيش البر من المسلمين مغيرا على جيش البحر من كفار الإفرنج مجدا في الجهاد باذلا نفسه بالإقدام على الحرب والغارة ، وترى جيش البحر من الإفرنج