تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
في كل ما خلقته وأظهرته ، فإن الوقوف مع كل مخلوق من حيث مخلوقيّته وقوف مع الباطل بدليل قوله صلى اللّه عليه وسلم : « أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد :
ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل » « 1 »
فقوله : أرنا الحق حقّا ، أي في كل شيء ، وأرنا الباطل باطلا : يعني في عين ذلك الشيء ، لهذا نهى في البيتين عن ترك النظر في صورة اللهو والهزل وعن الإعراض عن كل صورة ظاهرها صالحة وباطنها فاسدة باطلة ، وعن كل حالة متغيّرة سريعة الزوال والانتقال ، فإن باطن ذلك اللّهو والهزل والفاسد الباطل والمتغيّر الزائل أمر حقيقي جدّ صالح حق ثابت لو أعرضت عنها فاتتك علوم حقيقية وحكم خفية مكنونة في ذلك الظاهر ، وحرمت رؤية الحقّ في كل شيء ورؤية الأشياء كما هي ، وقوله :
فهزل الملاهي جد نفس مجدة
يعني : كل نفس غلب عليها الجدّ والاجتهاد في السير والسلوك من عالم الشهادة إلى عالم الغيب لم تر بعين باطنها إلّا باطن ذلك الهزل واللعب ظاهرا بصورة الحقّ والجد والحقيقة عليها وحظيت من حكمة إيجاده وسرّ وجوده ورأت كل شيء كما هو وشاهدت كل هزل ولعب ، فأعرضت عنه ورأت باطنه أنه حقّ وحقيقة وجدّ فسرت بسرّه . وقوله : فطيف خيال الظلّ إلى آخره ، فالفاء فيه للتسبيب والتعليل ، يعني : لا تعرض عن الصورة المموّهة والحالة المتغيّرة مثل صور صاحب لعب الخيال التي تظنّ أنها ذوات حياة ونطق وحركة وأثر ، ولا تعرض بالكلّية عن حالة نظرك فيها التي تحسبها ثابتة دائمة مثل حالة نومتك وهي مستحيلة متبدّلة في الساعة الثانية إلى حالة أخرى ، فإنه يهدي إليك ويعطيك علما حقيقيّا وحكمة جليّة وسرّا مخفيّا يلطف عن ذلك العلم والسر ستائر صورتك وحواسك ، وتشفّ عنه بحيث يشاهد باطن نفسك وقلبك وعقلك السليم عن آفة شوب الطبع السقيم ذلك العلم والسر وهو ما أودع في باطن ذلك الغيب والهزل من الجدّ والحكمة الحقية ، فتحظى
هامش
( 1 ) رواه البخاري في صحيحه في أبواب عدة منها : باب أيام الجاهلية ، حديث رقم ( 3628 ) [ 3 / 1395 ] .
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 237 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني