تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
تعالى من فهم الظاهر حتى أنكروا ذلك وأعرضوا بحكم ذلك الغرور عمّا وراء مفهومهم ، وأنا بعد تفهّمي ظاهر ذلك العلم المكنون بالنقل وباطنه بالعقل وصلت إلى سرّه وسر سره تلقّيته في حضرة الباطن والغيب من ذاتي وأخذته عني ونفسي ، أعني ذاتي كانت ممدّتي في أخذه وفهمه من عطائي وإنعامي في حقي لا من غير وغيرية ، بل آخذ ظاهر ذلك العلم من حسي وباطنه من عقلي وسرّه من روحي ومكنونه من سرّي ، لكن من حيث كل واحد منها عيني وذاتي لا وصف ولا نعت زائد على حاكم بمغايرتي وغيريّتي إيّاها ، فكنت المعطي وكنت المعطى له وكنت الممدّ والمستمد والفاعل والقابل ، وهذه كلّها نسبي واعتباراتي وتنوّع ظهوراتي . ثم رجع إلى ضرب مثال آخر في توحيد الفعل بعد أن حرّض على الاعتبار من الشواهد والأمثال منبّها في أول ذلك المثل على أن كل ما تشاهده بحسّك الظاهر صورة لعب ولهو وعبث وباطل وهزل ، فاعلم وتيقّن أن في باطنه أمرا جدّا وحقيقة وحكمة بالغة ، فإن الخالق الحكيم العليم تعالى أن يخلق شيئا عبثا وهزلا لا حقيقة ولا حكمة ولا حقية في باطنه وضمنه ، فالمذموم والمنهي عنه الاشتغال به ورؤيته من حيث ظاهره الذي يرى في الظاهر لعبا ولهوا وهزلا ، والوقوف مع ذلك لا من حيث باطنه وتفتيش ما فيه من الجدّ والحكمة والحقيقة ، بل تفهم الجدّ والحكمة وتمييزه من الباطل والهزل من كل شيء عين العبارة والوقوف مع رؤيته هزلا وباطلا مذموما ، فإنه مخلوق موجود ثابت فيما بين السماء والأرض ، وقد قال اللّه تعالى :
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ
( 27 ) [ ص : الآية 27 ] ، أي ستروا الحقّ بأحكام نفوسهم ووقوفهم مع الظاهر دون التدبّر بعقولهم وألبابهم في باطن كل شيء ، ولن يستطيع الاطّلاع على ذلك الباطن الجدّ وحكمته إلّا العقول السليمة عن آفات الطباع المستقيمة . واعلم أن العقل قوة نورانية من أثر العقل الأول الذي هو القلم الأعلى من نوره سارية في كل جهة جزئية تدبيرية من النفس عمله وأثره إدراك المعاني والتمييز بين الحقّ والباطل ، والخير والشرّ ، والحسن والقبح ، والحثّ والدلالة إلى الخير والعدل ، وفي مقابلته الهوى الذي هو أثر ظلماني من آثار الكثرة الإمكانية اللازمة
هامش
- عبد الرحمن السلمي في الأربعين التي له في التصوف .