تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
للنفس الكلّية من جهة توجّهها إلى الظهور بصورة الطبيعة والعناصر والظهور في عالم الكثرة وعمله وأثره الظهور بصورة الانحرافات والدلالة إلى استيفاء اللذات الحسّية والوهمية ، وطلب الحظوظ والظلم والطيش والكبر وجميع القوى والأخلاق الروحانية مثل المفكرة والحافظة والطهارة والنزاهة والإيمان والإسلام ونحو ذلك من أعوان العقل وآثاره وجميع القوى الجسمانية والذمائم ، كالشهوة والغضب والحرص والبخل والحسد من أعوان الهوى ، فالعقل واسطة قبول إلهام النفس تقواها ، والهوى واسطة قبول إلهامها فجورها ، فإنما غلب حكم الهوى بمدد أحكام العادات على النفس الجزئية الملهمة فجورها وتقواها استتبع العقل بأعوانه وآثاره واستعمله في التوسّط بوجوه الحيل إلى بلوغ مقصد فجورها ، وإذا غلب حكم العقل على الهوى بمدد نور الإيمان والشرع استتبع الهوى وأعوانه في بلوغ مقصد التقوى بالجدّ والجهد والسعي في العبادات وأنواع القربات رغبة في النعم الدائمة الأخروية ونيل الدرجات الجنانية . ثم إن العقل له ثلاثة أنواع من الإدراك ، أحدها : بالآلات والمدارك الظاهرية الحسّية ، كالحواس الظاهرة ، وثانيها : بالقوة الفكرية التي لا يخلو من حكم الطبيعة وأثر هواها لاستمدادها بالغذاء الطبيعي المعتدل ، والنوع الثالث : إدراكه بالذات لا بالآلات ، وإنما نعني بقولنا : العقل السليم الخالي عن حكم الطبع وأثر الهوى ، فإنه يستخرج الجدّ والحقيقة من صورة اللعب والهزل ليخلصه عن شوب الطبع والهوى ، والنوعان الأوّلان عندما اتّصلا بصورة اللعب والهزل انصبغا بأثره وحكمه بنسبة أثر الطبيعة والهوى المجبولين على الميل إلى اللّعب والهزل المختصّين بعالم الصورة ووصف كثرته ، فلم يتفرّغ لاستخراج معنى الجدّ والحقيقة من اللعب والهزل ، وهذه المدارك المذكورة كلّها دون طور النبوّة والولاية ، فإن آلة الإدراك في ذلك الطور هو الروح والسرّ والقلب بذاتها أو سمعها أو بصرها المخصوص بها في عالمها ومرتبتها في باطنها ؛ فلأجل هذا تدقّ أسرار ذلك الطور عن مدارك غايات العقول السليمة ، لكن آثار تلك الأسرار المدرجة في الأمثال والشواهد تدركها العقول السليمة ، فكان إدراك العقول تلك الآثار مدرجة ووسيلة إلى فهم الروح والقلب والسرّ حقائق تلك الأسرار المختصّة بطور النبوّة والولاية ؛ لهذا حذّر عن استقلال العقل الذي هو مدرجه ، وعن الانزعاج عن الأسرار التي لم يرد في ظاهر النقل خبرها على سبيل التصريح لئلّا
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 235 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني