كما في قوله صلى اللّه عليه وسلم : « فإنّك لم تصلّ » « 1 » ، متعلقة بمحذوف وهو الجار والمجرور الذي هو ثاني مفعول استقرّت .
يقول : ولا تستخفنك كثرة دراسة العلوم النقلية والاشتغال بظواهرها دون التفهم بالنظر والاعتبار من إشاراتها وبواطنها ، بحيث تقول : حسبي العمل بظاهر ما ورد في النقل وفهمه ، ولم أحتج إلى تعمّق العقل في غوامض العلوم وتفتيشه من البواطن وأزعجتك كثرة مدارستك لهذه الظواهر عن مستقرّ الإيمان بالعلوم الإلهيّة والأسرار الغيبيّة التي تختصّ بأولي الألباب :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
( 37 ) [ ق : الآية 37 ] ، يعني ممن ولد قلبه وخرج من مشيمة النفس والروح ، فيشهد بقلبه ويتذكر ذلك ،
أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ
[ ق : الآية 37 ] إن لم تظهر حقيقة قلبه ، ولكن يخصّ بعقله السليم عن آفة غلبة طبعه السقيم ، فيتفهم مبادءه ويؤمن لما وراء فهمه وبواقيه ؛ وذلك لأن ثم يعني عند الألفاظ الواردة في النقل ما وراء ظاهره علم مخزون ومعنى مكنون في باطن تلك الألفاظ يدق ويلطف بغموضه وخفائه عن مدارك غايات العقول السليمة عن آفات مداخلة أحكام الطباع السقيمة فيها ، على أن مبادئ ذلك العلم والمعنى الدقيق لا يوصل إليه إلّا بعد اعتبار هذه العقول السليمة وتدبّرها وتفكّرها في الإشارات والأمثال والشواهد ، وتفهمها من ذلك ما يليق بها ولمرتبتها والإيمان بأن ما وراء ما أدركه العقل علوما شريفة نافعة ، ثم تسليمها إلى الروح والقلب والسرّ ، فيتفهم كل واحد منها ما يليق بمرتبته ومقامه بواسطة أنسته بفهم العقل من الأمثال والشواهد ، فكان تفهم العقل بالشواهد والأمثال من كل ما يتضمّن الألفاظ المنقولة من المعاني مدرجة إلى تفهم الروح والقلب ، والسرّ تلك العلوم المكنونة المخفية في باطن تلك الألفاظ بواسطة الإيمان بها ، فإذا استقللت عقلك واستقررت عما وراء مفهومك ومدروسك الظاهر فقد حرمت خيرا كثيرا وكمالا وسرّا كبيرا مما ذكرنا ، والدليل على صحة ما ذكرنا قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء باللّه ، فإذا نطقوا به لم ينكره إلّا أهل الغرة باللّه » « 2 » ، يعني المغرورين بما أنالهم اللّه
هامش
( 1 ) رواه البخاري في صحيحه في أبواب عدّة منها : باب وجوب القراءة للإمام والمأموم . . . ، حديث رقم ( 724 ) [ 1 / 263 ] ؛ ورواه مسلم في صحيحه ، باب وجوب قراءة الفاتحة . . . ، حديث رقم ( 397 ) [ 1 / 298 ] ؛ ورواه غير هما .
( 2 ) أورده المنذري في الترغيب والترهيب وقال عنه : رواه أبو منصور الديلمي في المسند ، وأبو -