والوجه الثالث : أن تجريد النفس بطريق عادة النوم عن ظاهر الصور الحسّية والمثالية أيضا ، كما أنه يوصلك إلى معاد النفس وأصلها وعالمها ويطلعك على علوم عالم الملكوت وأسراره ، إذا أمعنت في نظر عقلك وروحك يثبت هذا النظر عندك ، وتحقّق أن تجرّدها عن صور روحانيّتها وخلقيتها أيضا يوصلك إلى معاد منه بدأ وإليه يعود ، و
كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ
[ الأعراف : الآية 29 ] . ويفهمك في عالم الجبروت والغيب علوما إلهيّة وأسرارا غيبية ، فاثبت فيما نبّهتك عليه وتلقّه بالإيمان وسرّحه بعقلك في بقعة الإمكان ، وانظر بعقلك في هذه الأمثال التي ضرب لك ، ولا تقل لم يرد في ظاهر النقل ما قلته من التحقّق بعالم الغيب والجبروت والعقل ، وإن كان يقبل ويفهم من هذه الأمثال شيئا ، لكن متّهم بقبول المغاليط ، فلا أعوّل عليه ولا أقلّد إلا النقل الصحيح الصريح ، فإن في استقلالك العقل نقص عظيم يدخل عليك في هذا المعرض وحرمان ظاهر عما ينال بفهم هذه الأمثال من أسرار عالم الملكوت التي لا يتسلّق إلى فهم شيء من علوم عالم الجبروت والغيب إلّا بعد فهم هذه الملكوتيات بموجب « من عرف نفسه عرف ربّه » « 1 » .
ولا تك ممّن طيّشته دروسه ، بحيث استقلّت عقله ، واستقرّت فثمّ ، وراء النّقل ، علم ، يدقّ عن مدارك غايات العقول السليمة تلقّيته منّي ، وعني أخذته ، ونفسي كانت ، من عطائي ، ممدّتي
قوله : طيشته ، أي خفّفت دماغه من اليبس الحاصل فيه من كثرة تكرار الدروس ومطالعة كتب النقل ، واستقلّت عقله : وجدته قليلا وعدّته يسيرا ، أو استقرّت بحذف مفعوليه أحدهما بنفسه ، والثاني بحرف الجر ، أي أزعجته دروسه عن مستقرّ الإيمان بالعلوم الإلهيّة والأسرار الغيبيّة المبني ذلك الإيمان على التفهّم بالعقل السليم بواسطة الاعتبار من الإشارات والأمثال الواردة في الكتاب والسنّة وشواهد الحس ، وإن لم يرد في صريح النقل ، ولكن كان هذا بالإشارة والإيماء والاقتضاء مما تفهمه العقول السليمة والأفهام المستقيمة ، والواو في قوله : ولا تك للعطف على قوله : فاثبت ، والفاء في أول البيت الثابت للسببية داخلة في السبب ؛
هامش
( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .