الاطّلاع على علوم وأسرار كلّية في عالم الملكوت قبل ظهورها وظهور صور معلوماتها في عالم الملك وبعده ، فإذا جرّدت عن العلائق والعوائق في حالة اليقظة وقطع تعلّقها وتقيّدها باللذّات والحظوظ الحسّية والوهمية بالكلية ، لا بدّ وأن يرجع إلى أصلها وعالمها الذي هو مرجعها ومعادها ، فتحصل لها من جنس هذه العلوم والأسرار وغير ذلك مما يتعلق بذلك العالم ، فكان هذا التجريد العادي الثابت أولا قبل الشروع في السير والسلوك بالنظر الاعتباري مثبتا تجرّد النفس ثانيا بطريق عودها إلى معادها ، وكان يبعث الطالب على الشروع في السير والسلوك وقطع التعلّقات ورفع العادات ، فأثبت في هذا النظر الاعتباري يبعثك على الشروع في أهم الأمور .
والوجه الثاني : أن مبنى تجرّد نفس السيار عن تعلّقاتها بالكلّية عن العلائق والعوائق وتوجّهها إلى أصلها ومعادها بطريق المعراج والانسلاخ إنما يكون على وقائع شريفة ومنامات صحيحة ، فكانت رؤياه هذه الوقائع والمنامات سلما ووسيلة إلى تحقّقه بالأحوال والمقامات الرفيعة . ألا ترى أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : « الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوّة » « 1 » ، فإن مدة ظهوره بوصف النبوّة بين أمّته وفهمهم كماله ودعوته من حيث هذا الوصف كانت ثلاثا وعشرين سنة على الأصح ، وكان زمان ظهور الوحي له بطريق الرؤيا ستّة أشهر على ما روي عن عائشة رضي اللّه عنها ، قالت : « أول ما بدىء به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصبح ، ثم حبّب إليه الخلاء » « 2 » الحديث بطوله ، وستّة أشهر من ثلاث وعشرين سنة جزء من ستة وأربعين جزءا ، وإذا كان الأمر في النبوّة التي هي أكمل مراتب القرب وهكذا ، فما ظنّك لما دونه ؟ لهذا قال : تجريد النفس العادي المنامي واسطة مثبتة تجرّدها المعادي المعراجي والانسلاخي ، فاثبت على ملازمة الصدق في السير والسلوك وبشر بوقائع ومنامات صادقة تقع لك ، فإنها سلّم يسلمك إلى المعاريج والانسلاخات بملكات قطع التعلّقات .
هامش
( 1 ) رواه البخاري في صحيحه ، باب المبشّرات ، حديث رقم ( 6588 ) [ 6 / 2564 ] ؛ ورواه مسلم في صحيحه ، كتاب الرؤيا ، حديث رقم ( 2263 ) [ 4 / 1774 ] ؛ ورواه غير هما .
( 2 ) رواه البخاري في صحيحه ، باب كيف كان بدء الوحي . . . ، حديث رقم ( 3 ) [ 1 / 4 ] ؛ ورواه مسلم في صحيحه ، باب بدء الوحي . . . ، حديث رقم ( 160 ) [ 1 / 139 ] ؛ ورواه غير هما .