الآية 31 ] ، فبهذا التعليم الإلهيّ علمت جهة كلية نفسك هذه العلوم وهدت جهة جزئيّتها إلى فهمها وإدراكها في عالمها ، وحيث عادت هذه الجهة الجزئية من الباطن إلى الظاهر واشتغلت بتدبيره أصبحت مستيقظا من نومتك متذكّرا ما علمته بعد قومتك ، فمنه ما فهمته ، بعد التعبير من الصور الخيالية إلى الصور الحسّية ، ومنه ما علمته بلا تغيير بدلالة حدسية ، فما تنعّمت جهة الجزئية من نفسك بهذا العلم والفهم من تفرقة مضافة إلى الغير ، ولكن امتلأت بهذه العلوم بما أملت هي من حيث كلّيتها على نفسها من حيث جزئيتها ، فكانت الفاعلة والقائلة والمتكلّمة والسامعة والناظرة والمنظورة والعالمة والمتعلمة نفسا واحدة من حيث تنوّعات ظهورها وتعيّنات نورها ، فإذا عرفت هذا عرفت ربك الذي هو عين الوجود ومحض النور وله شعاع وفيض كلّي واسع وجزئي مفاض مضاف إلى كل موجود ، وإليه يرجع الأمر كلّه فاعبده وتوكّل عليه واحمده واشكر نعمه الظاهرة والباطنة تلق المزيد لديه .
ولو أنّها ، قبل المنام ، تجرّدت لشاهدتها مثلي ، بعين صحيحة
يقول : ولو أن نفسك المدبّرة لمزاجك من حيث جهة جزئيّتها تجرّدت قبل نومتك ، بل في حال يقظتك عن العلائق والشواغل والتعلّقات والتعشّقات الظاهرة ، مثل طلب الحظوظ واللذّات الظاهرة الحسّية واستيفائها والأوصاف الشهوية والغضبية والآمال والأماني واللذّات الوهمية والعقلية ، بل وعن جميع الخواص الخلقية العارضية والأصلية مثل ما تجرّدت أنا عن جميع ذلك لشاهدت نفسك مثل شهودتي إياها بعين قريرة صحيحة منوّرة بنور فبي يبصر ، ورأيتها مظهرا مطابقا حقيقيّا لأحد وصفي الذات الأقدس ، وحقيقة الوجود الظاهر المقدس متوحّدة بالعين والذات متنوّعة ومتكثّرة بالنسب والاعتبارات وصور الصفات ، ولا تقدح هذه التنوّعات والنسب والإضافات في حقيقة وحدة ذاتها ، ولا تنافي حقيقة وحدة ذاتها ظهورها بصورة كثرة تنوّعات صفاتها لرجوع هذه الكثرة إلى عين الوحدة واندراجها فيها واستهلاكها في سطوة
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
[ غافر : الآية 16 ] .
وتجريدها العاديّ ، أثبت ، أوّلا تجرّدها الثّاني المعادي ، فأثبت
هذا البيت له ثلاثة وجوه من المعاني :
الأول : أن الطالب إذا أمعن في نظره العقلي أن بتجريد النفس بطريق العادة في حالة النوم المعتادة وقطع تعلقها وتقيّدها عن تدبير ظاهر البدن وحواسّه تحصل