وقد طبعت فيها العلوم ، وأعلنت * بأسمائها ، قدما ، بوحي الأبوّة
وبالعلم من فوق السّوى ما تنعّمت ، * ولكن بما أملت عليها تملّت
ركدت : أي سكنت ، والغفوة : النومة الخفيفة ، مدلّا بخبرة : أي منبسطا فرحان بسبب فهم حقيقة تلك الأخبار والأسرار ، وجاراك : أي ساوقك في الحديث سواء وافقك أو خالفك ، والوسن والسنة : الغفلة والغفوة ، والمراد ههنا الغفلة ، والكرى : النعاس ، وطبعت هنا بمعنى نقشت كما ينقش المطبوع المختوم بالطبع ، وقدمّا : أي فيما تقدّم من الزمان ، وأملت : من إملاء الكتاب وهو يتعدّى إلى المفعول الأول بنفسه ، وإلى الثاني بعلى ، وتملّت : امتلأت ، والمصراع الثاني من البيت الأول من هذه الأبيات الثمانية والبيت الثاني منها كل واحد منهما جملة فعلية محله النصب على الحال من ألقى ، ومدلّا خبر بعد خبر لأصبحت ، وفي سنة الكرى أي في غفلة مضافة إلى النعاس وحاصلة منه ، وضمير هي عائد إلى من الأولى والرابعة ، وقوله : بالغيب ، أي في عالم الغيب الإضافي الذي هو عالم الأرواح ، وقوله : بوحي الأبوة ، أي بوحي مضاف إلى أصل الأبوّة ، يعني : أبوّتنا يا معشر النوع الإنساني على حذف المضاف ، وكون الألف واللام قائما مقام الإضافة .
يقول : إذا سكتت حواسك الظاهرة من بصر وسمع وغيرهما عن الحركة في اقتناء العلوم الحاصلة لك بوساطتها وتعطّلت عن أفعالها الأثرية بسبب النوم والغفلة الحاصلة لك بسببه وبتّ نائما غافلا عاطلا عن العلم بكل ما جرى أو يجري في الماضي والمستقبل ، ثم أصبحت متحلّيا بالعلم ومتملّيا من الفهم عن أخبار من سلف من معارفك ، وظلت ذا خبرة بأسرار من يأتيك ممن تخطى بمحاسنه ويحظى بعوارفك من أولادك وإخوانك وأقاربك وأجدادك بطريق الإيماء والتلويح المحتاج إلى التعبير ، أو على سبيل الإفشاء والتصريح من غير تعبير ، وأصبحت منبسطا فرحا بخبرتك من أسرار هذه الأخبار ، فقال لي أيها الطالب المسترشد من ألقى إليك هذه العلوم حال إعراض حواسك عن تحصيلها وعدم تقدّم حصولها ، أتظن أن الذي ساوقك في الحديث والإخبار بها وبعلوم جليلة غيرها في غفلة نومتك كان غيرك ؟ كلا واللّه ليس الذي ألقى إليك هذه العلوم وساوقك بالحديث والإخبار بها إلّا نفسك التي لها جهتان جهة كلية ومثالها الشعاع الشمسي الكلي المنبسط بكلّيته على جميع الجوّ والأرض الممد لمجموع ما فيهما بحسب قابلية كل شيء من ذلك