ثم يقرع الجزء الثالث بتلك القوة ومصادمة الجزء الأول والثاني ، وهكذا يقرع جزء أجزاء إلى أن يصل إلى غاية تنتهي تلك القوة النفسانية ، فيصل أثر تلك المقارعات إلى صماخ كل من كان واقعا في ذلك الهواء المتأثر من ذلك النفس والمقارعات الحاصلة به ، فيدرك ذلك الصوت أو الكلام قوّته السامعة وتوصله إلى النفس ، فإن اتّفق أن يعارض امتداد ذلك الصوت جبل ذو حجارات صلبة أو عمارة عالية وقصر مبني ببلاط صلب وجصّ يمنع الصوت عن النفوذ والوصول إلى غايته ، فيرجع عين ذلك الصوت قارعا جزءا من الهواء المقروع أولا مرة ثانية إلى أن يصل عين ذلك الصوت أو الكلام إلى صماخ المصوت وغيره ممن هو في ذلك الهواء المقروع ، فتدركه قوّته السامعة مرة أخرى ، ويسمّى ذلك الصوت الراجع صدى مقصورا غير مدود ، فكانت النفس واحدة وسمعها واحد من جهة مؤثرة ، ومن جهة متأثرة ، فكانت واحدة كثيرة .
وأصل هذا في الإلهيّات أن النفس الرحمني الذي هو عين الوجود الظاهر من باطن غيب الهوية لما ظهر بصورة القول الإلهيّ عند التوجّه الإيجادي المعبّر عنه بقوله تعالى :
إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
( 40 ) [ النّحل :
الآية 40 ] مخاطبا وآمرا للشيء الممكن المراد كونه الثابت في العلم بصورة المعلومية ، ولم ينفذ ذلك القول في جهة عدمية ذلك الشيء الممكن لصلابة طرف استحالته ، فإنّ كل ممكن متوسّط بين الوجوب والاستحالة رجع عين ذلك القول إلى الوجود ، فكان متعيّنا مفاضا مضافا إلى تلك الحقيقة الممكنة ، فكان موجودا ، فكان الوجود عينه مؤثّرا في نفسه ومتأثرا من جهتين وباعتبارين ، فمن جهة كونه آمرا مؤثرا ، ومن جهة كونه مأمورا لنفسه متأثرا والعين واحدة .
ثم ضرب مثلا آخر لوحدة النفس مع تنوّعات أوصافها ، [ فقال ] :
وقل لي : من ألقى إليك علومه ، وقد ركدت منك الحواس بغفوة وما كنت تدري ، قبل يومك ، ما جرى بأمسك ، أو ما سوف يجري بغدوة
فأصبحت ذا علم بأخبار من مضى * وأسرار من يأتي ، مدلّا بخبرة
أتحسب من جاراك ، في سنة الكرى * سواك بأنواع العلوم الجليلة
وما هي إلّا النّفس ، عند اشتغالها * بعالمها ، عن مظهر البشريّة
تجلّت لها بالغيب ، في شكل عالم ، * هداها إلى فهم المعاني الغريبة