وشاهد إذا استجليت نفسك ما ترى بغير مرآء في المرائي الصّقيلة أغيرك فيها لاح أم كنت ناظرا إليك فيها عند انعكاس الأشعّة
قوله : ما موصولة صلتها ترى ، والعائد محذوف ، والصّلة والموصول منصوب المحل بمفعولية شاهد ، وإذا استجليت نفسك في المراثي الصقيلة ظرف لهذه الجملة الفعلية والباء في قوله : بغير مراء يتعلق بهذه الجملة الفعلية ، والضميران في فيها وبها يرجعان إلى المراثي .
المعنى : اعلم أن الظاهر المنطبع في المرائي الصقيلة والصافية إنما هو صورة مثالية لكل ما ظهر مثال صورته في المرأى عند المقابلة ، فإن عالم الحسّ والجسم الذي هو مجد ظهور كل جسم محسّ ومحسوس باطنه عالم المثال الذي هو محل ثبوت الصورة المثالية الكائنة لكل موجود ومحسوس فيه ، كما أن خيالك محل ثبوت مثال كل شيء تراه وتسمعه من المحسوسات من خارج ، وكل ما تخرجه من باطنك إلى الظاهر من العلوم والأعمال والصنائع ، فخيالك حصة من عالم المثال المذكور ، وباطن عالم المثال هو عالم الأرواح الذي هو محل تحقّق روحانية كل موجود جسماني المعبّر عنها بقوله تعالى :
فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ
[ يس : الآية 83 ] ، فكلّ ما له وجود في عالم الحسّ والجسم فوجوده متلبّس أولا في عالم الأرواح بلباس تلك الروحانية ، ثم تنزل منه إلى عالم المثال وتلبّس بتلك الصورة المثالية ، ثم تنزل إلى عالم الحس وتلبس بصورة حسّية جسمانية ؛ فلا جرم كان لكل شيء موجود محسوس حصة من عالم الأجسام مضافة إليه مختصّة به وجسمه كائن فيها مكانا وزمانا وله حصة من عالم المثال مضافة إليه ، وصورة وجوده المثالي ثابتة وفيها وله حصة من عالم الأرواح روحانية كائنة فيها ، ولمّا كانت الوحدة والنورية والصفاء مضافة بالأصالة إلى حضرة الوجود الواحد الحقّ الرحمن تعالى وتقدّس ، وإلى مرتبته كان كل ما يكون أقرب من تلك الحضرة إما من جهة المبدئية وقلة الوسائط ، وإمّا من جهة ثبوت المناسبة تخلّقا أو تحقّقا كانت الوحدة والنورية والصفاء فيه أكثر وأظهر ، وحيث كان عالم الأرواح أقرب من مرتبة المبدئية بانتفاء الواسطة بينه وبينها ، وكان عالم المثال تلوه كان وصف الواحدة والنورية والصفاء ثابتا له وظاهرا فيه ، ولهذا صورة لا تقبل التبعيض والتجزئة ، وحيث كان عالم الحسّ والجسم أبعد وحكم الوسائط فيه أكثر كانت الكثرة والظلمة والكدورة من خواصّه وخواص صوره ، فإذا اتّفق زوال وصف الكثرة والظلمة