المتنوّعة بسبب تحقّقه بحقيقة تجمع هذه الأوصاف والأحوال كلّها ، فإذا تأمّلت هذا عرفت علوّ قدر مقام الجمع ، وجدت ما نصحتك وقبول ما خلصت لك الرأي فيما قلت لك ، فانح جمعي ودريت أيضا بهذا المثال وفهمت تلبس النفس الواحدة بحسّ السمع والبصر وبالنطق وبالبطش في باطن هذه الحواس بوساطة تلبّسها بالبدن وظهورها في كل شكل وهيئة من أشكال الأحوال وهيئات الأوصاف والصور المستحسنة مع توحّد عينها وجمعيّتها ، وإذا فهمت النفس الواحدة الظاهرة بهذه الأوصاف المتنوّعة بجمعيّتها وكلّيتها ، حينئذ تفهم أن الوجود الذي غدت النفس لباسه ومرآته ومظهره كذلك عين واحد متلبّس بسبب الإضافة إلى النفس بعين هذه الأوصاف وحقائقها لكمال جمعيّته وكلّيته وتحقّقت بحقيقة معرفة الربّ بمعرفة النفس ، وهذا الحرّ يرى الذي حرّر هذه المقامات ، وإن كان كاذبا وهازلا ونفسه غير مجدّة في معرفة النفس والربّ ، لكن الحقّ الفاعل به والخالق فيه هذه الكلمات إنما أظهر به ذلك ضرب مثل بهذا الكلام ليفهم منه أهله من أولي الباب ويتذكّروا ويتدبّروا حقيقة الأمر ، والحال لطفا ومنّة منه في حقّ البالغين ، وأهل العناية من الواصلين .
فكن فطنا وانظر بحسّك منصفا لنفسك في أفعالك الأثريّة
الفطنة : سرعة الفهم والإدراك ، وأراد بالأفعال الأثرية الآثار الحاصلة من البصر والسمع ، فإنّ الاعتبارات الأول الذاتية التي هي باطن صفة الكلام والبصر والسمع والقوّة كل ذلك له أثر وفعل خاص في أبطنه الستّة مع اشتماله على الكلّ في سابع أبطنه ، فاثنان من هذه الأربعة مختصّان بالفاعليّة في أبطنها الستّة ، وهما :
الكلام والقوة ؛ واثنان مخصوصان بالقائلية ، وهما : البصر والسمع ، فقوله : في أفعالك الأثرية ، يعني : في أفعال تبدو منك مؤثّرة فيك بعد أن تتأثر أولا ، لأن البصر والسمع لا تحصّلان في النفس هيئة المبصر والمسموع حتى تتأثران أوّلا من خارج ، لهذا كان الإبصار والإسماع من الأفعال الأثرية بخلاف الكلام والقوّة ، فإنهما يؤثّران بلا تأثر .
وقوله : منصفا لنفسك ، يعني : في إضافة الآثار والأفعال والأحوال المختلفة مع توحّد عينها ورجوع العلوم كلّها إليها ، وفي أنها على صورة الحضرة الربوبيّة في رجوع أمور القوى والحواس وإدراكاتها وكمالاتها إليها ، مع كمالات وإدراكات ذاتية لها وفي غير هذا من الأمور .