ثم مثل مثالا آخر لتوحّد النفس من جهة كونها قائلة ورائية وسامعة ومعلمة ومقولة ومرئية ومتعلمة معا في حالة واحدة ، لكن باعتبار كليّتها وجزئيّتها ، فباعتبار فاعله وباعتبار قائله مع توحيد عينها ، فإذا عرفت النفس هكذا عرف الربّ على هذا النسق ، ويتحقّق حديث « من عرف نفسه عرف ربّه » من هذا الوجه ، ومدار المعرفة في جميع ما قرّر من أوّل الباب ، ومثل هذه الأمثال على هذه الأركان الأربعة التي هي في سابع أبطنها اعتبارات ونسب كليّة أصلية ذاتية وأسماء أول ، وهي مفاتيح الغيب ، وفي سادس أبطنها هي صفات كليّة وأسماء إلهية ، وفي خامسها صفات إلهيّة من وجه ، وكونيه من وجه ، وفي الرابع أسماء وجودية ، وفي الثالث والثاني والأول أسماء وصفات أصليّة نفسانية من كلام وبصر وسمع وقدرة وما يتعيّن منها من قائل وبصير وسميع وقادر ، فاعلم ذلك واستحضر أركان معرفتك ، واللّه المرشد .
ثم أردف هذه الأمثلة الأربعة بتنبيه على أن العقل له مدخل في فهم هذه التمثيلات والانتقال عن المثال إلى الأصل ، لكن ليس له مدخل في إدراك حقيقة الأصل واشتمال كل نسبة واسم منه على جميع نسبه وأسمائه العظمى ، فينبغي أن لا يستقل العقل ويعزل عن فهم المعاني والإشارات والمثالات بأن يعتمد بالكلّية على النقليات ، وعلى ظاهر ما ورد في العلم المنقول ؛ ففي عالم الملكوت الأعلى أمور لم ترد أخبارها لضيق عالم العبارة ، ولم تدركها إلّا العقول السليمة عن أكدار الأفكار المشوبة بحكم الطبيعة ، وفوق ذلك في عالم الجبروت والغيب أمور وأسرار وعلوم خارجة عن فهم العقول السليمة ومداركها إنما يتعرّض ويتسلّق لإدراكها بالأمثلة المدركة بالعقل ، فإذا عدّ العقل قليلا كليلا عن إدراك المعارف كلّها حرم ومنع عن درك كثير من المعارف التي لا تدرك إلّا بالأمثلة ، كما بينا .
ثم أعقب ذلك بمثال آخر لوحدة النفس من جهة كونها فاعلة أفعالا مختلفة يظن أن تلك الأفعال صادرة من فاعلين مختلفين ، ولم يصدر ذلك إلّا من فاعل واحد ، وذلك المثال إنما هو صور أظهرها صاحب اللّعب بالخيال وراء ستارة ضربها وأخفى نفسه من ورائها فاعلا أفعالا مختلفة ، عدّد الناظم - رحمه اللّه - أكثرها في أبيات ذكرها ، فاستحضر ما مهّدت لك تعرف النفس من وجهات متنوّعة وتعرف ربك منها .
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 222
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص٢٢٢