تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
والصفات الأصليّة الأولية ، واشتمال كل واحد منها على الجميع في ظهورها من النفس . ثم حرّض التابع المسترشد الطالب القابل بفهمه الصحيح لما حرّره وقرّره على أن يتوجّه إلى هذه الحضرة الأحدية الجمعية في طلب تحقّقه بمعرفة النفس وحذره عن الميل إلى المعقول والمنقول في معرفة النفس بالبراهين الفكرية والحجج النظرية التي أنزلها رتبة وأوهاها حجّة أقوال أهل التناسخ ومذاهبهم . ثم شرع الآن في ضرب أمثال نتبيّن منها وحدة النفس أولا من جهة ظهورها بوصف الكلام ، واسم المتكلّم ، ووحدة الكلام والمتكلّم مع تنوّعات صورها بحسب التحوّلات في الأحوال والمقامات ، وهذا المثال الأول ما حرّره الحريري في ذكر مقامات السروجي وتنوّعات ظهوره صورة وكلاما بحسب اقتضاء الأحوال والمقامات بناء على أن لا عبث ولا هزل ولا كذب في الوجود من جهة صدور الكلام وظهور الفعل من المتكلّم والفاعل الحقيقي الحكيم ، وإن كان ذلك بالنسبة إلى إضافة الكلام والفعل إلى الوسائط يرى أنه هزل ولغو وعبث وكذب ، وظهر في زعم هذا الواسطة بأنه الفاعل والقائل ، لكن في الحقيقة ذاك الظاهر عين الجدّ والصدق وإلا لم يظهر ؛ لأن القائل والفاعل الحقيقي مختار حكيم ، والحكيم لا يختار إظهار شيء إلّا ويكون له حقيقة وحكمة مبنيّة على قصد وجد غير أن كل أحد يؤاخذ بزعمه ويعامل بقصده وعلمه ، واللّه أعلم وأحكم . ثم أعقب هذا المثال بمثال آخر يتبيّن به وحدة النفس من جهة الإبصار ووحدة الرائي والمرئي مع تنوّعات ظهور النفس وكونها رائية ومرئية من جهة مرتبتين وحالتين ، وذلك المثال هو رؤية النفس عنها في المرائي الصقيلة ، فإن المرئي هو عينها لكن من حيث ظهورها في عالم الخيال الباطن في ظاهر كل مرآة وشيء صاف ، والرائي هو عينها ، لكن من حيث ظهورها في عالم الحس خارج المرآة . ثم مثل مثالا آخر يتبيّن وحدة النفس من جهة كونها سامعة مسموعة معا مع توحيد العين ، وذلك فيما يرجع إلى النفس من صداء صوتها ، وأن المصوّت ليس إلّا النفس ، وسامع صوتها ليس إلّا هي ، وغيرها بالنسبة يسمع بتبعيّتها .