وأمّا إذا كان الغالب على النفس حالة مفارقتها صورتها الإنسانية وصفا وخاصية جمادية ، فأي جماد كان ذلك الوصف مختصّا به تلبّست النفس بصورته ، ويسمّون ذلك النقل من صورة إنسانية إلى صورة جمادية رسخا ، ويسمى هذا المذهب التناسخ والنسخ أيضا ، وهذه كلّها تخيّلات فاسدة وتعقّلات عن سنن الاستقامة حائدة ، وتقييدات للقدرة المطلقة ، وتقليدات لظنون غير محقّقة لا العقول السليمة تسلمها وتقبلها ، ولا الأفهام المستقيمة تحتملها وتتحمّلها ، فكان الميل والإصغاء إليها مما لا يعني في الدنيا والآخرة ، بل يمنع عن التوجّه إلى المطالب العالية والمواهب الفاخرة ، لهذا أمر بالتبرّي عنها والتعرّي عن لباس الاعتقاد بها والقرب منها .
ومن قائل بالنّسخ ، والمسخ واقع به ، أبرأ ، وكن عمّا يراه بعزلة ودعه ودعوى الفسخ ، والرّسخ لائق به ، أبدا ، لو صحّ في كلّ دورة
يقول : وابدأ وانفصل ممن يعتقد مذهب النسخ والتناسخ حال كون المسخ واقعا به ، فإنه في هذا الاعتقاد بمنزلة حيوان خال عن العلم والفهم والنطق بما له معنى صحيح ، وعن المعرفة بحقائق الأشياء والتمييز بين الحق والباطل ، واعتزل عما يعتقده هذا الحيوان التناسخي وخلّه مع دعواه الباطل بأن الفسخ واقع وهو تلبّس النفس بصورة نباتية بعد ظهورها في صورة إنسانية بسبب غلبة وصف نباتي عليها حال مفارقتها صورتها الإنسانية ، فإن الرسخ الذي هو تلبّس النفس بصورة جمادية لائق أبدا بصاحب هذا الرأي والمذهب الدون السخيف لو كان لاعتقاده صحة بوجه ما من الوجوه في كل دورة زمانية ، فإن هذا الرأي والمذهب هو أنزل الآراء وأدون المذاهب ، فكان أنزل وصف وأدونه وهو ظهوره بوصف الجمادية أليق به ؛ لأن كمال الإنسان في قربه من حضرة ربّه ، وميزان القرب هو التحقّق بحقيقة الوحدة والعدالة والتخلّص عن أحكام الكثرة ، وقبول الاستحالة ، وأنزل مراتب القرب على التحقيق هي الرتبة الملكية لاتّسام أهليها بسمة الحدوث والخلقية ، وهي أعلى مراتب القرب عند هذا التناسخي ، فكما أن أدنى مراتب القرب التي هي رتبة الملكية عندنا كان عنده أعلى مراتب القرب وغايتها ، فأليق ما به أدنى مراتب الوحدة والعدالة ، وهي الرتبة الجمادية في كل دورة انتقال النفس في النشأة الدنيوية من صورة إلى صورة أخرى ، لو صح ووقع في الوجود .