ثم لا تزال تتكامل في هذا النوع من الأمزجة الحيوانية بالتطوّر في أطوارها والظهور بصور أنواعها التي لا تكاد تنحصر كثرة إلى أن تستعد للرقيّ عنها إلى ما فوقها ، وهي مرتبة الاعتدال الإنساني ، فإذا فارقت النفس صورة حيوانية حال غلبة حكم استعداد ترقّيها عن الرتبة الحيوانية وعن جميع أوصاف أنواع هذه الرتب الحيوانية والنباتية والجمادية تلبّست حينئذ بمزاج إنساني ، وظهرت بخواص مرتبة الاعتدال الإنساني من الحياة والنطق زيادة على ما تملّكته من خواص أنواع المراتب الحيوانية والنباتية والجمادية .
ثم تأخذ في هذه المرتبة في تكميل نفسها من تجنّبها عن الأوصاف الرذيلة الحيوانية ، ومتابعة الهوى والغضب والشهوة على مقتضى الطبع ، لا على أمر الشرع ، وشرعت في تخلّقها بالأخلاق الجميلة الملكية نحو الطهارة والنزاهة والوحدة والعدالة إلى زمان مفارقتها هذه الصورة الإنسانية ، فحالة المفارقة إذا علت عليها خاصية وصف من الخواص والأوصاف الملكية ترقّت إلى أفق الملائكة واتّصلت بهم ودخلت في زمرتهم مجرّدة عن الصور والأمزجة المركبة الإنسانية منها والحيوانية والنباتية والجمادية ، وكان ذلك غاية عندهم وفي مذهبهم .
وأمّا إذا غلب على النفس في حالة مفارقتها صورة مزاجية إنسانية وصف وخاصية إنسانية ، ولم يصح لها التحقّق والظهور بوصف ملكي فارقت هذه الصورة الإنسانية وتعلّقت بمزاج وصورة إنسانية أخرى ، وظهرت ثانيا في هذه النشأة الدنيوية بها مستكملة فيها إلى أن يتّفق لها الاتّصاف بالأوصاف الملكية زمان مفارقتها صورتها الإنسانية ، وربما يتفق لها خلع صورتها الإنسانية والتلبّس والظهور بصورة أخرى إنسانية مرارا كثيرة ، ويسمّون هذا النقل من صورة إنسانية إلى مثلها في هذه النشأة الدنيوية نسخا .
وأمّا إذا اتّفق أن يغلب عليها حالة مفارقتها صورتها الإنسانية وصف وخاصية حيوانية لا إنسانية ، فأي حيوان كان ذلك من خواصّه ؛ كالكبر من النمر ، والتهوّر من الأسد ، والروغان من الثعلب ، ونحو ذلك يظهر النفس بصورة ذلك الحيوان ، ويسمّون هذا الانتقال من صورة إنسانية إلى صورة حيوانية مسخا .
وأمّا إذا اتّفق عليه وصف وخاصية نباتية على النفس في وقت مفارقتها صورة إنسانية ، فأي نبات كان ذلك الوصف والخاصية من خواصّه تلبّست بصورة ذلك النبات ، ويسمّون هذا الانتقال من صورة إنسانية إلى صورة نباتية فسخا .
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 218
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص٢١٨