أصلها وممدّها الطبيعة ، وغايتها غلبة ظن حاصلة من سرعة سير هذه القوة المفكّرة التي هي إحدى الحواس في تحقيق إدراك ما يريده ، ولأجل أن الطبيعة لها الاسترسال في السير والظهور بصور غير محدودة ولا معدودة دائرة حول حمى العدالة كل صورة منها محدثة في كل ما يتحصّل من نتائج الأفكار أوهاما وشكوكا كثيرة ، فإن الوصول إلى عين عدالة الطبيعة والتحقّق والتلبّس بها في غاية التعسّر والتعذّر ، ولا يطّلع عليها إلّا واحد بعد واحد ، ولهذا لم يسلم أحد من أهل النظر والفكر عن نقص ما أبرم من الحكم ، وعن نفي ما حكم وأحكم من البرهان والحكم الجزم ، حتى أنه نقل عن أوحد زمانه في الإتقان في هذا النوع والشأن من المتأخرين وهو الإمام فخر الدين الرازي رحمه اللّه أنه رآه بعض أهل الخصوص من تلامذته ذات يوم حزينا باكيا في غاية الحيرة والحسرة ، فسأله عن سبب تلك الحالة ، فقال : أبكي وأحزن وأتحسّر على ضياع عمري ومضيه بلا حاصل طائل ، قيل : وكيف ذلك وأنت إمام أئمّة العصر ، وأفضل الأمّة في الدهر ؟ فقال : آه على ما فاتني من العمر ضائعا ، فإني كنت قد فكرت في مسألة كذا وأيقنتها وحكمت فيها وأحكمتها ببراهين صحيحة عندي منذ عشرين سنة ، وكلّما كنت أراجعها بان لي في صحتها ما يحكم مبنى حكمي الأول فيها ، واليوم قد سنح لي دليل واضح على بطلان حكمي المتقدم ، وبان لي براهين أقوى ما يكون على خلاف ذلك الحكم الأول ، بحيث لم أشكّ الآن في بطلان ذلك الحكم المتقدم ، ولم آمن أن يكون جميع أحكامي ودلائلي مثل هذا في صدد البطلان ، وهذا الحكم الذي حكمت فيه اليوم يكون غدا أيضا في معرض الخطأ والزلل ، فهل يكون أخسر منا صفقة في مثل هذا الحال ، وهكذا كل من يكون مزاج حسّه وفكره أقرب إلى الاعتدال تبيّن له ولفكره حكم ودليل على خلاف من يكون فكره أبعد منه ، فإن ميزان الحق ووحدته الحقيقية في هذا العالم إنما هو حاق الاعتدال هذا حكم من تكون أحكامه مبنية على البراهين النظرية والدلائل الفكرية .
أمّا من يكون منبع أحكامه عالم الوحدة الحقيقية وآياتها الإلهامية وانكشاف العلوم والأمور عليه من الحضرات العليّة ومبنى دلائله الآيات الشهودية العيانية ، فكل وهم وشكّ وارد على محكومات فهمه وعقله وفكره بسبب تردّد وظلمة طبيعية تزيله أنوار تلك الآيات والدلائل اللائحة من عين الأنوار ومنبع الأسرار ،
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 216
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص٢١٦