تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
فأنت أيها السالك المسترشد لا تمل إلى تلك العلوم النظرية والفكرية المشوبة بظلمة الطبيعة ، فها عندك قد أظهر وأحضر من كتاب وسنّة وكتب مثبتة فيها العلوم الحقيقية من عين المنّة خذها وتفهمها واقبلها أولا بالإيمان ، وثانيا بالإحسان ، وثالثا بحقيقة العيان ، فإن هذه الآيات مزيلة عنك جميع الشكوك والظنون الحاصلة من حدس القوة المفكّرة الحسّية وسرعة تردّدها في ظاهر الأمور وباطنها من غير تحقيق في ذلك التردّد أو بيّنة من نور الإيمان أو الكشف والعيان . من جملة ذلك أوهام أصحاب مذهب التناسخ وظنونهم وعقائدهم الفاسدة وشبههم الباطلة الزائلة فيما يقولون : إن النفوس المتعلقة بالأمزجة المركبة في عالم التركيب والمولدات تظهر في أربع مراتب من مراتب اعتدالات الأمزجة المركبة أولها مرتبة الاعتدال المعدني الجمادي ، فكل مزاج تركّب وتعيّن في هذه المرتبة تعلّقت نفس مدبرة تحفظه عن الفساد وانحلال التركيب وتظهر وتتلبّس تلك النفس المدبّرة بصفات معدنية وخواص جمادية من تفريج وتقوية وإمساك وإطلاق وغير ذلك إلى أن تتكامل في هذه المرتبة وتستعدّ للرقي إلى ما فوق هذه المرتبة ، وهي مرتبة الاعتدال النباتي ، ويكاد أن تترقّى بكمال استعدادها ، وحال غلبة حكم هذا الاستعداد عليها تفارق هذا النوع من الأمزجة المعدنية الجمادية ، وتتلبّس بلباس آخر في المرتبة الثانية وهي مرتبة الاعتدال النباتي هذا بشرط غلبة حكم استعداد الترقّي في حالة المفارقة . أمّا ما دام أثر من الأوصاف المختصّة بالأمزجة الجمادية ظاهرا فيها حال مفارقتها هذا المزاج المعدني ، فإنها لا تتعلق إلّا بما يكون ذلك الوصف من خواصّه ، فإذا تلبّست بصورة نباتية تظهر حينئذ في هذا النوع من الأمزجة النباتية بأوصافها مثل النموّ والتغذّي ظاهرا ، وتوليد المثل ونحو ذلك على ما تملكته من الأوصاف المعدنية وخواصها ، ثم لا تزال تتكامل في هذا النوع من الأمزجة النباتية ، وتترقّى في مدارجها من نوع أدنى إلى نوع أعلى منه ، إلى أن تستعد للترقّي عن هذه المرتبة النباتية إلى ما فوقها ، وهي مرتبة الاعتدال الحيواني ، حينئذ فارقب هذا النوع من الأمزجة النباتية وصورها وتلبّست بمزاج واقع في مرتبة الاعتدال الحيواني ، وظهرت بأوصاف هذا النوع وخواصها ، وهي الحسّ والحركة بالإرادة زيادة على ما تملكته من الأوصاف المعدنية والنباتية وخواصّهما .
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 217 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / محمد بن أحمد الفرغاني