تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
والحدس هو الظن الحاصل من سرعة سير الفكر في الشيء ، والحسّ ههنا أراد به الحسّ الباطني من الفكر أو الوهم . اعلم أن الحواس عشرة خمسة ظاهرة وهي السمع وآلته ومدركه الأذن ومدركه الأصوات ، ثم البصر ومدركه العين ومدركه الألوان والأضواء والهاءات ، ثم الشمّ ومدركه الأنف ومدركه الروائح ، ثم الذوق ومدركه الفم واللّسان ومدركه الطعوم ، ثم اللّمس ومدركه جميع بشرة البدن ومدركه الملموسات من لين وخشونة ونحوهما . وخمسة من الحواس باطنة منها : الحسّ المشترك ومحلّه مقدم الدماغ ، ومنها الخيال ، ومحله خلف محل الحسّ المشترك وهو خزانته بأن كل ما يدركه الحسّ المشترك من الحواس الظاهرة يسلمه إلى الخيال ، فيتصوّره الخيال صورة خيالية ويحفظه ، ومنها الوهم ومحله خلف محل الخيال ، ومنها المفكرة ومحلها وسط الدماغ ، ويقال لها أيضا متخيّلة ، فباعتبار أن يكون مستعملها العقل في تركيب مقدّمات من الدليل الموصل له إلى مطلوبه يسمى مفكرة ، وباعتبار أن يستعملها الوهم باستمداده من الخيال يسمّى متخيّلة ، ومنها الذاكرة ومحلها مؤخر الدماغ وهي خزانة المفكرة والمتخيّلة ، كما أن الخيال خزانة الحسّ المشترك ، وأصل هذه الحواس العشرة كلّها الطبيعة الجامعة بين الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة التي هي مادة المزاج العنصري التركيبي ، وممدّ هذه الحواس المذكورة بما به بقاؤها أيضا ، وهي الطبيعة . أمّا أصالة الطبيعة لهذه الحواس ، فلا نتشابها منها في بدوّ فطرتها . وأمّا تعلق بقاء الحواس بالطبيعة ، فلأن ظهور صحتها وقوّتها وصفائها وجودتها وصدق نتائجها متعلق بالغذاء الممدّ للمزاج في بقائه وصحّته وبعدالة الغذاء أيضا ، وأنّه مهما كان الغذاء معتدلا صالحا كانت الأفكار صحيحة ، والأذكار مستقيمة ، والأوهام صالحة ، والخيالات مطابقة ، وبقدر انحراف الغذاء من الطبيعة تنقص صحة الأفكار واستقامة الأذكار ومطابقة الخيالات وصلاحية الأوهام ، وهذا أمر مدرك بالبديهة عند اللّبيب . وإذا عرفت هذه المقدمة ، فاعلم أنه يقول : إياك وأن تميل إلى علوم مشوبة بظلمة الطبيعة بسبب أن مبناها وأساس صحتها إنما هو الفكر بالقوة المفكرة التي